لماذا لا تنجح المعالجات الاقتصادية الجزئية في السودان؟

  • بتاريخ : 24 يونيو، 2026 - 3:44 م
  • الزيارات : 114
  • بقلم /بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم

    “محافظ بنك السودان السابق”

    التحليل الاقتصادي المبسط والسياسات الفطيرة ذات الجانب الاحادى الناتجة عن هذا التحليل غالبا تكون مضللة وضعيفة المردود ان لم تكن مضرة وغير مستدامة، و تقود إلى استنتاجات ناقصة. الاقتصاد نظام مترابط، وليس قطاعات أو ملفات منفصلة تعمل بمعزل عن بعضها البعض ولذلك لا يمكن معالجة مشكلات كل منها بمعزل عن الآخر. بل منظومة مترابطة تتأثر عناصرها ببعضها . لذلك فإن معالجة أي مشكلة اقتصادية بمعزل عن بقية المتغيرات غالبا لا تنتج حلولا حقيقية، بل قد تؤدي أحيانا إلى تعميق الاختلالات القائمة.

    اولا: لا يمكن فهم قضايا مثل سعر الصرف أو التضخم بعيدا عن مجريات الاقتصاد الكلي والسياسات المالية والنقدية والإنتاج والتجارة والاستثمار. سعر الصرف مثلا لا يتحدد فقط بقرارات البنك المركزي، بل يتأثر بالعجز المالي، والإنتاج المحلي، والصادرات وميزان المدفوعات، والثقة بالاقتصاد.

    ثانيا: سعر الصرف الجمركي جزء من السياسات التجارية المرتبطة بالموارد الحكوميه، ولكنه لا ينفصل عن زيادة تكلفة الاستيراد المؤثرة على مجريات التضخم. لذلك لا يمكن النظر إلى سعر الصرف باعتباره مجرد قضية نقدية ترتبط بالعرض والطلب على العملة الأجنبية فقط أو معالجته باجراءات تحكمية وقانونية، لأن قيمته تعكس في الواقع حالة الاقتصاد الكلية. فالعجز المالي، ومستوى الإنتاج المحلي، وميزان المدفوعات، وحجم الاستيراد، وتدفقات الاستثمار، ومستوى الثقة بالمؤسسات الاقتصادية وغيرها جميعها عوامل تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على استقرار العملة. ولهذا فإن أي محاولة لمعالجة سعر الصرف دون معالجة جذور الاختلال الاقتصادي ستبقى محدودة الأثر ومؤقتة.

    ثالثا: التضخم قد ينتج عن عوامل نقدية وإنتاجية وتجارية في الوقت نفسه. لذلك فإن الفصل بين الاقتصاد المالي والنقدي قد يفيد من ناحية نظريه، لكنه في الواقع العملي يؤدي إلى حلول ناقصة. يختزل التضخم أحيانا في كونه ظاهرة نقدية فحسب، بينما قد يكون ناتجا أيضا عن ضعف الإنتاج والعرض، أو ارتفاع تكاليف الانتاج او تكاليف الاستيراد، أو اختناقات سلاسل التوريد، أو الاحتكار، أو تراجع قيمة العملة المحلية. وبالتالي فإن العمل على عامل واحد من هذه العوامل قد لا يكون كافيا للسيطرة على التضخم إذا بقيت العوامل الاخرى المرتبطة بالأسباب الهيكلية الأخرى قائمة.

    رابعا: الفصل بين السياسة المالية والسياسة النقدية في التحليل العملي لوضع السياسات الناجعة يعد تبسيطا مفرطا. فالسياسة المالية تؤثر على حجم السيولة والنشاط الاقتصادي والدين العام، بينما تؤثر السياسة النقدية على تكلفة التمويل والاستثمار والاستهلاك وسعر الصرف. ولذلك فإن غياب التنسيق بينهما يؤدي غالبا إلى نتائج متناقضة؛ كأن تتبنى الحكومة سياسة توسعية عبر زيادة الإنفاق، في الوقت الذي يحاول فيه البنك المركزي تقليص التضخم عبر سياسة نقدية انكماشية، فتضعف فعالية الأداتين معا.

    خلاصة القول، ان فهم الاقتصاد يتطلب النظر إليه كنظام متكامل تتفاعل فيه المتغيرات المالية والنقدية والإنتاجية والتجارية وحتى المتغيرات الاجتماعية في آن واحد. ومن هنا فإن نجاح السياسات الاقتصادية لا يعتمد فقط على اتخاذ قرارات منفردة، بل على بناء رؤية شاملة تحقق التوازن بين الاستقرار النقدي، والاستدامة المالية، وتحفيز الإنتاج، وتعزيز الثقة بالاقتصاد.

    تؤكد التجربة السودانية أن المعالجات الاقتصادية الجزئية المؤقتة لم تعد كافية لمعالجة الأزمات المتفاقمة. فلا يمكن تثبيت سعر الصرف دون زيادة الإنتاج والصادرات، ولا يمكن خفض التضخم دون معالجة العجز المالي وضعف البنية الإنتاجية، كما لا يمكن تحقيق الاستقرار الاقتصادي في ظل غياب التنسيق بين السياسات المالية والنقدية والتجارية.

    الاقتصاد السوداني منظومة مترابطة، وأي إصلاح حقيقي مستدام على المدى البعيد يتطلب رؤية قومية شاملة تقوم على إعادة بناء الثقة في المؤسسات الاقتصادية، دعم الإنتاج الزراعي والصناعي، ضبط الإنفاق العام والعجز المالي، تنشيط الصادرات، تحسين بيئة الاستثمار، وتحقيق الاستقرار السياسي والاصلاح الإداري. فالقرارات المنفردة والمؤقتة قد تخفف الأعراض لفترة قصيرة على أحسن الفروض، لكنها لا تعالج جذور الأزمات. أما الحل المستدام فيكمن في إصلاح اقتصادي متكامل يوازن بين الاستقرار النقدي والتنمية الإنتاجية والعدالة الاجتماعيةعبر خطط اقتصادية طويلة المدى كما تفعل بقية الدول.