لابد أن نعترف بهذه الحقيقة المؤلمة أولًا

  • بتاريخ : 29 سبتمبر، 2026 - 12:57 م
  • الزيارات : 5
  • بقلم: م.م. الإمام عبداللطيف الإمام

    ثمة حقيقة مؤلمة ينبغي أن نعترف بها دون مواربة: لقد استهلكنا نصف قرن ونحن نحاول إثبات أن أحدنا أكثر وطنية من الآخر، حتى نسينا أن الوطن نفسه كان يتآكل من تحت أقدامنا ويسقط حجراً حجراً.

    كل فريق كان يرى أنه يملك صك الوطنية، وأن رؤيته هي الخلاص الوحيد، وأن الآخرين ليسوا خصوماً سياسيين، بل خونة ينبغي إزاحتهم من المشهد. *بهذا المنطق الإقصائي دخلنا في لعبة صفرية قاتلة.*

    ومع مرور الوقت، لم تعد السياسة وسيلة للتنافس على خدمة الناس، بل تحولت إلى مقصلة: من يستحق أن يكون سودانياً كامل الحقوق، ومن يُشطب من دفتر الوطن.

    وهنا كانت بداية الانهيار الحقيقي. *فالدول لا تنهار فقط عندما تضعف جيوشها أو تفلس خزائنها، بل تنهار عندما يفقد مواطنوها القدرة على رؤية بعضهم كشركاء في مصير واحد.*

    أصبحنا ننظر إلى الرجل قبل أن نسمع رأيه، وإلى بطاقته الحزبية قبل أن نقرأ فكرته، وإلى ماضيه قبل أن نسأل: ماذا يريد أن يفعل اليوم؟ وهذه أخطر طريقة لإدارة وطن.

    فالإنسان ليس بطاقة عضوية، وليس حكماً مؤبداً لا يتغير. قد يخطئ، وقد يصيب، وقد يراجع مواقفه بشجاعة، وقد يكتشف أن الطريق الذي سار فيه عشرين عاماً كان خاطئاً. *وعندما نغلق باب التوبة والمراجعة أمام الناس، فإننا لا نبني مجتمعاً ناضجاً، بل نبني مجتمعاً من المنافقين.*

    حان الوقت لنعيد تعريف السياسة نفسها. *السياسة ليست معركة لإثبات أن نصف السودانيين أطهر من النصف الآخر. والدولة ليست غنيمة حرب يحصل عليها المنتصر ليذل بها المهزوم.*

    الدولة ملك عام. بيت كبير يسع الجميع. وأي مشروع سياسي لا يرى في الدولة إلا مساحة لأنصاره ومكافأة لأتباعه، هو مشروع يحمل في داخله بذرة حرب قادمة.

    *السودان أكبر من كل هذه الاصطفافات الصغيرة.* وفي بلد بهذا الاتساع وبهذا التنوع القبلي والثقافي والسياسي، من الوهم أن تظن جماعة واحدة أنها *قادرة على إعادة تشكيل 45 مليون إنسان على صورتها*.

    التاريخ يعلمنا درساً بسيطاً نسيناه: الجماعات تصل إلى السلطة ثم تغادرها، والأحزاب تتقدم ثم تتراجع، والكراسي تدور. أما السودان وحده فهو الباقي. ولو تذكر كل سياسي أن الكرسي لا يذهب معه إلى بيته، لتعامل مع خصومه بمسؤولية أكبر.

    ليست المشكلة أن يكون لك رأي سياسي، المشكلة أن يتحول رأيك إلى هوية تلغي كل ما عداها. عندها تدافع عن الخطأ لأنه صدر من جماعتك، وترفض الصواب لأنه جاء من خصمك. *وهنا تفقد الأمة جهازها المناعي وقدرتها على تصحيح نفسها.*

    الدولة الحديثة لا تسألك أولاً: مع من أنت؟ بل تسألك: ماذا فعلت ؟ ماذا قدمت ؟ هل احترمت القانون؟ هذه هي القاعدة الذهبية التي لم نصل إليها بعد. ليس لأننا نريد أن نمحو الماضي، بل لأننا نريد أن نمنع الماضي من ابتلاع المستقبل كله.

    ورغم كل هذا السواد، يقف السودان اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة، ولدت من رحم المأساة نفسها. لقد كشفت هذه الحرب ما كنا نخفيه لسنوات: *أن استمرار صراع السودانيين ضد بعضهم لا يترك منتصراً حقيقياً.*

    ولهذا، فإن السودان اليوم لا يحتاج إلى سلاح جديد، ولا إلى تحالف جديد، بل يحتاج إلى استعادة شيء أهم من كل ذلك: *الثقة بين أبنائه.*

    الثقة بأن الاختلاف لا يعني الخيانة، وأن السلطة أمانة مؤقتة وليست ملكاً أبدياً، وأن القانون فوق الجميع ولا يتغير بتغير الحاكم.

    هذه الثقة لن تُبنى بالخطب المنمقة ولا بالمؤتمرات الفندقية. ستُبنى عندما يرى الناس دولة تعاملهم بمعيار واحد، وقضاءً لا يعرف المحاباة، وسياسيين يعرفون كيف يخسرون بشرف دون أن يهدموا المعبد، وكيف يفوزون بتواضع دون أن يحتكروا الوطن.

    لقد خسرنا الدولة، وخسرنا المدن، وخسرنا الأرواح، وخسرنا سنوات من أعمارنا في صراعات صفرية.

    فلا ينبغي أن نخسر المستقبل أيضاً، فقط لأننا لم نتعلم بعد كيف نختلف دون أن نقتل بعضنا، وكيف نتنافس دون أن نكره بعضنا.

    *إن السودان الذي نريده لن يأتي من الخارج، ولن تبنيه لنا الأمم المتحدة، ولن يصنعه لنا مؤتمر في فندق خمس نجوم.*

    *سيبنيه السودانيون أنفسهم، عندما يقررون أن هذا الوطن يتسع لهم جميعاً، أو لا يتسع لأحد.*

    *السودان لا يحتاج إلى نصف شعبه ضد النصف الآخر؛ السودان يحتاج إلى شعبه كله.*