‘كلنا في الهوى سواء’: هل أزمة الصيرفة الإسلامية عالمية أم سودانية؟

  • بتاريخ : 13 يوليو، 2026 - 9:41 م
  • الزيارات : 21
  • ‘كلنا في الهوى سواء’: هل أزمة الصيرفة الإسلامية عالمية أم سودانية؟

    بقلم/ بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم

    (محافظ بنك السودان السابق)

    رد الكاتب عمر سيد أحمد مشكورا على تعليقي بشأن مقاله عن تجربة الصيرفة الإسلامية في السودان، معبرا عن تقديره لملاحظاتى، ومؤكدا أن الحوار يعكس نقاشا علميا جادا حول مستقبل القطاع المصرفي. ويختتم بأن اختلاف وجهات النظر حول أسباب الإخفاق لا يحجب الهدف المشترك، وهو بناء صيرفة إسلامية سودانية أكثر كفاءة، تحقق مقاصد الشريعة وتسهم بفاعلية في التنمية الاقتصادية. وهذا هو أيضا مقصدي من النقاش مع موسوعه مصرفيه مثلكم.

    كما يشير إلى وجود اتفاق واسع بيننا في تشخيص أبرز مشكلات التجربة، وفي مقدمتها هيمنة المرابحة، وضعف التمويل التشاركي، وقصور إدارة المخاطر، وضعف الابتكار، وتأثير البيئة الاقتصادية والمؤسسية.

    اما نقطة الاختلاف، فتتمثل في تفسير أسباب هذه الإخفاقات؛ إذ يرى أن العوامل التي ذكرتها في ردى تمثل الأسباب المباشرة، بينما كان غياب المنافسة نتيجة إلغاء المصرفية التقليدية سببا هيكليا حرم التجربة السودانيه من آلية المقارنة والتصحيح الذاتي، مما سمح باستمرار أوجه القصور لعقود. ويؤكد الأخ عمر سيد أحمد أن استمرار هيمنة المرابحة حتى في الدول ذات النظام المصرفي المزدوج لا ينفي أهمية المنافسة، بل يبرز أن المنافسة توفر حافزا دائما للتطوير والابتكار وتحسين الأداء. كما رحب الكاتب بطرحى لمعيار الالتزام بمقاصد الشريعة باعتباره معيارا أعمق لتقييم التجربة، موضحا أن هذا المعيار يتكامل مع المعيار التنموي الذي دعا إليه، فكلاهما يركز على تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي حقيقي، لا مجرد الالتزام الشكلي بالعقود الإسلامية. ويخلص إلى أن إصلاح القطاع المصرفي السوداني يتطلب حزمة متكاملة تشمل: تطوير البيئة التشريعية والمؤسسية، وتعزيز إدارة المخاطر، وتوسيع التمويل التشاركي، ومواكبة الابتكار، إلى جانب إعادة بناء بيئة مصرفية تنافسية تتيح تقييم النماذج المختلفة وتصحيح مسارها بصورة مستمرة.

    فيما يتعلق بالنقطة التي أراها تمثل جوهر الخلاف بيننا، وهي أن إلغاء المصرفية التقليدية حرم التجربة السودانية من آلية المقارنة والتصحيح الذاتي، فإنني أتساءل: ألا ترى، أستاذي عمر سيد أحمد، أن المقارنة لم تكن محصورة فقط بوجود نظام مصرفي مزدوج داخل السودان؟ لقد كانت أمام التجربة السودانية، على مدى عقود، تجارب مصرفية إسلامية في عدد من الدول لم يستغلها للتحسين، فضلا عن رصيد واسع من الأدبيات الأكاديمية، والتقارير والمعايير الصادرة عن مؤسسات دولية متخصصة، مثل البنك الإسلامي للتنمية، وهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، ومجلس الخدمات المالية الإسلامية. وقد وفرت هذه الجهات معايير ومؤشرات و ممارسات كان يمكن الاستناد إليها بكلياتها في تقييم الأداء، ومراجعة السياسات، وتطوير المنتجات، وتعزيز إدارة المخاطر.

    ربما أوافقك فيما ذهبت اليه إذا كان المقصود ربط اخفاقاتنا بمستوى تطور الصناعة المصرفية الإسلامية عالميا، وهو تطور جاء – في تقديري – دون مستوى التوقعات التي صاحبت نشأة الصيرفة الإسلامية. ومن هنا، أرى أنه ينبغي التمييز بين المنافسة المحلية باعتبارها أحد محفزات التحسين لاشك في ذلك، وبين المقارنة المرجعية الدولية، التي كانت متاحة بالفعل عند صناع القرار أو الباحثين السودانيين. لذلك فإن القول بأن التجربة السودانية افتقدت معيارا للمقارنة يحتاج إلى اعادة نظر؛ إذ إن المعيار كان قائما خارج الحدود، إلا أن الاستفادة منه لم تكن – في تقديري – بالمستوى المأمول. فإذا كانت التجارب العالمية، بما فيها تجارب الدول التي تطبق النظام المصرفي المزدوج، لا تزال تعاني من مشكلات ولم تتطور بالقدر الكافي، فإن القول بأن التجربة السودانية لم تتطور لانها افتقدت آلية التصحيح الذاتي بسبب غياب المنافسة المحلية وحدها يصبح بحاجة إلى مزيد من التفكير. ولعل المثل القائل: “كلنا في الهوى سواء” يعبر عن هذا الواقع؛ فالتحديات التي واجهت السودان ليست استثناء، وإنما هي تحديات صاحبت معظم تجارب الصيرفة الإسلامية بدرجات متفاوته ولم تعمل كلها على التطوير بالقدر الكافي، واذا كان هذا هو الحال، فكيف لنا ان نكون افضل منهم ونحن الحلقه الاضعف.