لقاء النقل بين السودان ومصر… عندما تصبح الطرق جسوراً للعودة والإعمار

  • بتاريخ : 14 يوليو، 2026 - 8:14 ص
  • الزيارات : 7
  • بقلم: د. سعاد فقيري

    من بين اللقاءات التي عقدها السفير الفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي خلال الأيام الماضية، يبرز لقاؤه مع وزير النقل المصري باعتباره واحداً من أهم اللقاءات الاستراتيجية، ليس لأنه تناول قطاع النقل فحسب، وإنما لأنه لامس إحدى أهم القضايا التي تنتظر السودان بعد الحرب: كيف يعود الناس؟ وكيف تبدأ التنمية؟
    فالتنمية لا تبدأ بالمباني، وإنما تبدأ بالطريق الذي يصل إليها، ولا تبدأ بالمصانع، وإنما تبدأ بالموانئ والسكك الحديدية والمعابر ووسائل النقل التي تنقل الإنسان والبضائع والخدمات.
    إن ملايين السودانيين الذين اضطروا إلى مغادرة وطنهم لن تكون عودتهم مرتبطة بالرغبة وحدها، بل بوجود شبكة نقل آمنة وفعالة تربط مصر بالسودان، وتربط ولايات السودان ببعضها البعض. ولذلك فإن أي تعاون سوداني مصري في مجال النقل يمثل استثماراً مباشراً في إنجاح برنامج العودة الطوعية.
    فالطريق البري، وخطوط السكك الحديدية، والموانئ، والنقل النهري، والمنافذ الحدودية ليست مجرد مشروعات هندسية، وإنما شرايين حياة تعيد الحركة إلى الاقتصاد، وتفتح الأسواق، وتدعم الاستثمار، وتخفض تكلفة الإنتاج، وتعيد الخدمات إلى المواطنين.
    ومن هنا تكتسب الخبرة المصرية في تنفيذ مشروعات الطرق والكباري والسكك الحديدية أهمية خاصة، إذ تمتلك مصر تجربة واسعة في تطوير البنية التحتية خلال السنوات الأخيرة، ويمكن لهذه الخبرات أن تسهم في تسريع عملية إعادة إعمار السودان، من خلال شراكة تقوم على نقل الخبرة، وتدريب الكوادر، وتنفيذ المشروعات ذات الأولوية.
    إن نجاح العودة الطوعية يتطلب خطة متكاملة تبدأ بتأمين الطرق، وإعادة تشغيل المعابر، وتأهيل شبكات النقل، وربط الموانئ بالمناطق الإنتاجية، حتى يتمكن المواطن من العودة إلى مدينة تتوافر فيها الخدمات وفرص العمل، وليس إلى مكان معزول يفتقر إلى مقومات الحياة.
    كما أن تطوير قطاع النقل سيمنح السودان فرصة لاستعادة دوره الإقليمي بوصفه جسراً يربط شمال إفريقيا بوسطها وشرقها، وهو ما يعزز التجارة البينية ويجذب الاستثمارات ويخلق آلاف فرص العمل للشباب.
    إن لقاء السفير عماد عدوي مع وزير النقل المصري يبعث برسالة مهمة مفادها أن العلاقات السودانية المصرية بدأت تنتقل من مرحلة التضامن السياسي إلى مرحلة الشراكة التنموية، وأن إعادة إعمار السودان لن تكون مسؤولية الداخل وحده، بل ستقوم أيضاً على تعاون إقليمي قائم على المصالح المشتركة والرؤية الاستراتيجية.
    واليوم، يحتاج السودان إلى أن يجعل من النقل مشروعاً قومياً لإعادة البناء، لأن أول طريق يُعبد بعد الحرب لا يقود إلى مدينة فحسب، بل يقود إلى عودة المواطنين، واستقرار المجتمع، وانطلاق عجلة الاقتصاد، وبداية نهضة وطن يستحق أن ينهض من جديد.