قطار الضعين… حين احترق الوطن داخل عرباته

  • بتاريخ : 22 أبريل، 2026 - 7:03 م
  • الزيارات : 6
  • بقلم/ المهندس الإمام  عبد اللطيف الإمام

    وزير التخطيط العمراني السابق بولاية سنار
    ————————————-

    *في ذاكرة السودان محطاتٌ موجعة، لكن قليلًا منها يحمل من الرمزية والقسوة ما تحمله مجزرة الضعين 1987. لم تكن مجرد حادثة عابرة في زمن حرب، بل كانت لحظة انكشافٍ أخلاقي، سقط فيها الإنسان قبل أن يسقط الضحايا.*

    *في الضعين، لم يكن القطار مجرد وسيلة نقل… بل كان وعدًا بالنجاة. أناس بسطاء، أغلبهم من النساء والأطفال، صعدوا إليه وهم يظنون أنهم يغادرون الخوف إلى الأمان. لكنهم، دون أن يعلموا، كانوا يُساقون إلى واحدة من أبشع النهايات.*

    *توقف القطار… وتوقفت معه قيمٌ كان يفترض أن تحمي الإنسان لأنه إنسان.*
    *حُوصرت العربات، واشتعلت النيران، ولم يكن داخلها سوى أرواح تبحث عن فرصة للحياة. لم يكن المشهد مجرد قتل، بل كان انهيارًا كاملًا لفكرة الوطن نفسه: كيف يمكن لأرضٍ أن تضيق بأبنائها إلى هذا الحد؟*

    *لكن ما جرى في الضعين لم يولد في لحظةٍ عابرة، ولم يبدأ مع توقف القطار.*
    *لقد سبقت تلك المأساة سنواتٌ من التوتر المتراكم، حيث تداخلت تعقيدات الحرب الأهلية مع هشاشة النسيج الاجتماعي. اشتعلت الصراعات بين الرعاة والمزارعين حول الأرض والماء، وتغذّت على شُحّ الموارد وغياب الدولة. ومع تمدد الحرب بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان، أصبح كل إختلافٍ عرقي أو جهوي قابلًا للتحول إلى ساحة إشتباه وعداء.*

    *وفي تلك البيئة المشحونة، لم تعد الهوية مجرد انتماء، بل تحولت إلى تهمة.*
    *إنتشرت الشكوك، وتضخّمت الروايات، وتسلل خطاب الكراهية إلى النفوس، حتى صار الإنسان يُختزل في قبيلته، لا في إنسانيته. ومع غياب الحماية، وترك المدنيين لمصيرهم، تهيأت الأرض لانفجارٍ كان ينتظر شرارة… حتى جاءت لحظة مجزرة الضعين 1987.*

    *ليست المأساة في عدد الضحايا فقط، مهما كان فادحًا… بل في المعنى الذي تركته خلفها. لقد كشفت تلك اللحظة أن الكراهية، حين تُغذّى بالصمت والتبرير، تتحول إلى آلة لا تفرّق بين بريء ومذنب، ولا بين طفل وشيخ.*

    *وما يجعل الألم أكثر حدّة، أن تلك الحادثة لم تكن معزولة. لقد كانت نتيجة طبيعية لمسار طويل من التمزق، وسوء الإدارة، وغياب العدالة، وإستسهال خطاب الفرقة. يومها، لم يحترق القطار وحده… بل إحترق جزء من ضمير هذا الوطن.*

    *إن إستدعاء هذه الذكرى اليوم ليس من باب النبش في الجراح،* *بل من باب المسؤولية. فالأوطان التي لا تواجه ماضيها بصدق، تظل مهددة بتكراره بأشكالٍ أخرى. وما نراه اليوم من تشظٍ وإنقسام، ليس بعيدًا عن تلك اللحظة، بل هو امتدادٌ لها إن لم نتوقف.*

    *الوطن لا يُبنى بالإنكار، ولا يُحفظ بالصمت.*
    *الوطن يُبنى حين نعترف، حين نحاسب، حين نُعيد للإنسان قيمته فوق كل انتماءٍ ضيق.*

    *لقد علّمتنا مجزرة الضعين 1987 درسًا قاسيًا، لكن الدرس بلا وعيٍ يتحول إلى مأساةٍ قابلة للتكرار. وما لم نواجه أنفسنا بشجاعة، سيظل التاريخ يعيد كتابة الألم بأسماءٍ مختلفة.*

    *قطار الضعين ليس ذكرى… بل جرحٌ لم يندمل.*
    *جرحٌ يسألنا كل يوم: هل تعلمتم… أم ما زلتم على إستعدادٍ لإشعال القطار مرةً أخرى؟*

    بقلم م.م الإمام عبداللطيف الإمام