أحترم ما ذهب إليه اخي دكتور حيدر معتصم مدني و لكنني للأسف لا أتفق مع النتيجة التي خلص إليها، وهي أن العقد الاجتماعي ينبغي أن يسبق الدستور.
فالعقد الاجتماعي في أصله مفهوم فلسفي، صاغه مفكرون مثل هوبز ولوك وروسو لتفسير نشأة الدولة، وليس وثيقة عملية تنتظرها الشعوب قبل أن تضع دساتيرها. أما في الواقع الدستوري الحديث، فإن الدستور نفسه هو الذي يجسد هذا العقد ويمنحه شكله القانوني الملزم.
إن انتظار توافق مجتمعي كامل قبل كتابة الدستور قد يعني تأجيل قيام الدولة إلى أجل غير معلوم، لأن المجتمعات بطبيعتها لا تتفق على كل شيء. والدساتير لا تُكتب بعد انتهاء الخلافات، وإنما تُكتب لتنظيمها، ووضع قواعد لإدارتها سلمياً، وحماية الحقوق، وتحديد سلطات الحكم.
إن التجارب الدستورية الناجحة لم تبدأ دائماً بعقد اجتماعي مكتمل، بل بدأت بدساتير أسهمت، مع مرور الزمن، في بناء الثقة وترسيخ قيم المواطنة وسيادة القانون. فالدستور ليس مجرد انعكاس للتوافق، بل قد يكون أيضاً أداةً لصناعته.
إن أزمة السودان لا تكمن في غياب فكرة العقد الاجتماعي وحدها، وإنما في عدم احترام الدساتير، والانقلابات المتكررة، وتعطيل المؤسسات، وتغليب موازين القوة على حكم القانون. فحتى أفضل عقد اجتماعي لن يصمد إذا غابت الإرادة السياسية لاحترام الدستور، والالتزام بسيادة القانون.
لذلك، أرى أن العلاقة بين العقد الاجتماعي والدستور ليست علاقة ترتيب زمني يفرض أن يسبق أحدهما الآخر، وإنما هي علاقة تكامل؛ فالدستور يعبر عن الحد الأدنى من التوافق الوطني، ثم يسهم تطبيقه العادل في تعميق هذا التوافق وترسيخه بمرور الزمن.
ومن ثم، فإن القضية ليست: أيهما يسبق الآخر؟ بل كيف نجعل الدستور محل احترام والتزام، وكيف نبني مؤسسات قادرة على إنفاذه، لأن الدستور الذي يُحترم ويُطبَّق هو الذي يصنع الثقة، والثقة هي الأساس الحقيقي لأي عقد اجتماعي مستدام.











إرسال تعليق