ركاكة اللغة والتمسك بتذكير المناصب للنساء

  • بتاريخ : 1 مايو، 2026 - 8:04 م
  • الزيارات : 6
  • بقلم /ايوب صديق

    “خبير إعلامي، – كاتب – شاعر – مذيع بي بي سي الأسبق”

    هذا إسهامي في باب (تذكير مناصب النساء) الذي فحتُ بابه مع الكاتب الأخ صبري العيكورة بسبب قولٍ له جاء في خبرٍ عن محافظة بنك السودان المركزي، حيث جاء الخبر متحدثا عن ( محافظ البنك المركزي السيدة الأستاذة آمنه ميرغني) حيث قلت له:( لو كنتُ مكانك لقلتُ السيدة محافظة بنك السودان المركزي). وقد أسهم بعضهم في هذا الباب فذهب إلى ذكر سبب وجود هذا الوجه من وجوه التعبير، إلى إعمالِ القاعدةِ التي تقول: غالباً ما يُستخدم لفظ المذكر ليشملَ الجنسين، حيث يُعتبر المذكرُ هو الأصلُ في الدلالة على الوظيفة أو المنصب.
    بل تجشم ذلك البعضُ اعتسافَ حملِ كلِ المناصب والوظائفِ على ما عُرف في أصل اللغة من تذكيرِ بعض مسمياتِها مثل أمٌ رؤوم، وامرأةٌ قتيلٌ وغير ذلك.
    في زماننا هذا، وفي الغالب الأعم، لم تكن هناك من وظيفةٍ إلا هي مجالٌ متاحٌ للرجال والنساء، ولم يبق هناك من منصبٍ إلا وتقدمت إلى نيله النساء في تنافس للرحال، وقد يختار الأصلح من بين الذكور والإناث، ولذا فقد انتفى تعليل تطبيق مبدأ التذكير في كل آن وحين. ولذا بات الإصرارُ على تطبيق تذكير الوظائف والمناصب يتنافى مع روح اللغة وصحتها وسلاستها، فأصبح قولٌ مثل (أصدرتْ السيدةُ محافظُ بنك السودان..) قولاً في منتهى الركاكة، وإن قيل: ( أصدر محافظُ البنكِ الفلاني السيدةُ فلانة الفلانية…) لصارت الجملة أبشع ركاكة من سابقتها، وهي ركاكة من قبيل ما أرى أن بعضهم يصر عليه في صحافتنا. وأكاد أجزم بأنني لم أر مثل هذا الإصرار على تذكير المناصب والوظائف، وما يحدثه من ركاكة وقبح في اللغة في صحافة أي بلد عربي آخر غير بلدنا. وسوق اورد الآن ما يدعم ما أدعو إليه:
    أصدر مجمع اللغة العربية بالقاهرة قراراً حاسماً في جلسته الرابعة والأربعين (عام 1978م)، يؤكد على وجوب تأنيث المهن والمناصب والوظائف عند إسنادها للمرأة. نص القرار وحيثياته:
    القاعدة: «لا يجوز في ألقاب المناصب والأعمال -اسماً كان أو صفة أن يُوصف المؤنث بالمذكر».
    التطبيق: لا يقال: فلانة أستاذ، أو عضو، أو رئيس، أو مدير، بل يجب القول: فلانة أستاذة، أو عضوة (على خلاف)، أو رئيسة، أو مديرة.
    الهدف: جاء القرار ليتماشى مع قواعد اللغة العربية التي تقتضي المطابقة بين الصفة والموصوف (تذكيراً وتأنيثاً)، وللخروج من قيود التغليب الموروث الذي كان يقتصر فيه على المذكر نظراً لغلبة إسناد الوظائف للرجال قديماً.
    نقاط تفصيلية من قرارات المجمع والمعجم الوسيط:
    المهن المشتركة: الصفات والمهن المشتركة بين الذكور والإناث يجب تأنيثها للمرأة.
    كلمة “عضو”: أشار المجمع في سياقات أخرى (المعجم الوسيط) إلى جواز الأمرين (عضو وعضوة)، ولكن الاتجاه العام هو نحو تأنيث الألقاب والأعمال. الألقابُ الجامدة: بعضُ المسميات التي تختص بالإناث لا تؤنث، مثل: حائض، طالق، مرضع، حامل، ناشز.
    يرفض المجمع التذكير الذي يقع على سبيل التغليب الموروث، معتبراً أن قوانين اللغة تقتضي وصف المؤنث بلفظ مؤنث في المنصب وغيره..

    *قرار مجمع اللغة العربية في دمشق*
    ——————————-
    أثار مجمع اللغة العربية في دمشق نقاشاً لغوياً وإدارياً حول تأنيث الوظائف والمناصب والرتب العسكرية، وذلك ضمن سعيه لتحديث الاستعمال اللغوي ليواكب الحضور النسائي المتزايد في مختلف مجالات العمل.
    فيما يلي تفصيل لموقف المجمع والتوجهات اللغوية في هذا السياق:
    توجه المجمع نحو التأنيث (2023 – 2024):
    طلب التعميم: طالب مجمع اللغة العربية بدمشق من رئاسة مجلس الوزراء السوري ضرورة تعميم تأنيث الرتب العسكرية والمناصب المدنية للنساء، أي استخدام التاء المربوطة (ة) عند إسناد اللقب لامرأة.
    الأساس اللغوي: يستند هذا التوجه إلى أن تأنيث ألقاب المناصب والأعمال -اسماً أو وصفاً- هو الأصل في اللغة العربية عندما تتولاها امرأة، فلا يقال “مدير” لامرأة، بل “مديرة”، ولا “رئيس” بل “رئيسة”.
    اعتراضات: واجه هذا التوجه اعتراضات من بعض الوزارات (مثل الدفاع) التي فضلت الإبقاء على التذكير (التغليب) في الرتب العسكرية.
    قواعد التذكير والتأنيث في المسميات الوظيفية:
    الأصل التأنيث: القاعدة العامة هي تأنيث المسميات للمرأة، كالتالي: (نائبة، مديرة، وزيرة، عميدة، سفيرة).
    استثناءات (امتناع التأنيث): هناك كلمات تميل إلى التذكير حتى للمؤنث، مثل “عضو”، حيث يرى البعض أنه لا يُقال “عضوة” (رغم شيوعها) بل “عضو” مجلس شعب.
    الصفات المختصة: هناك صفات لا تؤنث لأنها خاصة بالإناث، مثل (حامل، طالق، مرضع، ناشز).
    . التطور السياقي للموقف:
    تجاوز الموروث: يؤيد هذا التوجه فكرة أن الحجة التقليدية القائمة على غلبة إسناد الوظائف للرجال لم تعد مقنعة، وضرورة التلاؤم مع القوانين اللغوية التي تصف المؤنث بوصف مؤنث.
    خلاصة القول، مجمع اللغة العربية بدمشق يدعو إلى تأنيث المسميات الوظيفية، بينما تظل بعض المناصب “عضو” أو الرتب العسكرية موضع أخذ ورد بين التحديث اللغوي والتقاليد الإدارية الموروثة.

    وإلى هنا يا سادة انتهى قولي بعد أن رأينا رأي مجمعي اللغة العربية في القاهرة وفي دمشق. وليس بعد قول أهل الاختصاص قولٌ هو أولى بالاتباع.