خطباء المساجد هم أعرف الناس بواجبهم الشرعي ولايحتاجون إلى من يملي عليهم،

  • بتاريخ : 15 فبراير، 2026 - 9:34 م
  • الزيارات : 59
  • بقلم/ عبد الجبار المبارك “أبوعائشة”

    انتشر قبيل حلول شهر رمضان المبارك كلامٌ متداول يُطالِب خطباء المساجد بتغيير خطابهم، وترك الحديث عن فضل الشهر وفرضيته وأحكام الصيام، بدعوى أن الناس تعرف ذلك، والدعوة إلى الاقتصار  الحديث على المعاملات والمظالم الاجتماعية، مع تضمين عبارات خطيرة في الحكم على عبادات الناس وإسقاطها بالجملة.
    وهذا القول باطل من وجوه عديدة؛ إذ إن خطباء المساجد هم أعرف الناس بواجبهم الشرعي، وأعلمهم بما يجب عليهم من توجيه المجتمع وفق ما جاء في الكتاب والسنة، لا وفق الأمزجة والآراء والشعارات العاطفية، ولم يكونوا – بحمد الله – دعاة غفلة عن واقع الناس، بل هم ورثة الأنبياء يبلّغون الدين كما أُنزل.
    وفي هذه الرسالة دعوة صريحة أو ضمنية إلى ترك سنة ثابتة سنّها رسول الله ﷺ، فقد كان ﷺ يذكّر الناس بقرب رمضان، ويبيّن فضله، ويحض على صيامه وقيامه، ويعلّم أحكامه، فقال ﷺ: «أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه». فمن السقوط العلمي أن يُقال لا داعي لذكر الصيام وفضله، وكأننا أعلم من رسول الله ﷺ أو أحرص على إصلاح المجتمع منه.
    والقول بأن الناس لا تحتاج إلى التذكير بأحكام الصيام قول مجانب للواقع؛ فكثير من المسلمين يجهلون شروط الصيام ومبطلاته ومقاصده، ويقعون في أخطاء تتكرر كل عام بسبب ضعف التعليم والتذكير، فكيف يُطالَب الخطباء بترك ما هو فرض الوقت، وهو عبادة مخصوصة بزمن مخصوص؟
    أما المعاملات، وردّ المظالم، وصلة الأرحام، وحرمة المال العام، وكف الأذى، فهي واجبات عظيمة لم يغفل عنها الدعاة والخطباء يومًا، وهي محل تذكير على مدار العام، لا في رمضان فقط، ولكن الخطأ كل الخطأ هو الفصل بين العبادات والمعاملات، أو تصوير أن الحديث عن الصيام يناقض الحديث عن الأخلاق، مع أن العبادة الصحيحة هي أعظم ما يُصلح السلوك.
    فالصيام مدرسة تربوية ربانية، يعلّم الصبر، وضبط النفس، ومراقبة الله، وكسر الشهوات، والرحمة بالفقراء، قال ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، فالصيام الحق يزكّي النفوس ويمنع المعاصي.
    كما أن الرسالة المتداولة تضمّنت إطلاق أحكام خطيرة بإسقاط الصلاة والصيام والزكاة والحج عن الناس بالجملة، وهذا باب عظيم لا يتكلم فيه إلا أهل العلم بضوابطه الشرعية، لا بالتهويل والتحريض.
    والحقيقة أن هذه الرسالة لم يُرَد بها الإصلاح كما يُدّعى، بل أُريد بها التشكيك في الدعاة، وإسقاط هيبتهم، وإظهارهم كأنهم منفصلون عن واقع الناس، وهو باطل وافتراء.
    ونقول لهؤلاء: إن الذي كان يكرّر الحديث عن رمضان وصيامه وفضله هو رسول الله ﷺ، والذي أُمرنا باتباعه هو المعلم الأول، ومن قال ليكن الخطاب مميزًا عن سابقاته فقد خالف هديه، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
    فرمضان يُذكَّر فيه بالصيام والقيام والقرآن والتوبة والأخلاق والمعاملات جميعًا، دون إقصاء ولا تفريط، ووفق ميزان الشرع لا أهواء الناس.
    ✍️ أبو عائشة
    عبد الجبار المبارك أحمد