بقلم/ د. سعاد فقيري
لم تعد العلاقة بين السودان وإثيوبيا تقف عند حدود التوتر التقليدي أو تبادل الرسائل الدبلوماسية الباردة، بل دخلت مرحلة جديدة عنوانها الواضح:
السيادة أولًا… ثم المصالح بعد ذلك.
فالدول لا تُقاس فقط بحجم جيوشها أو عدد سكانها، وإنما بقدرتها على حماية قرارها الوطني، والرد حين يتم تجاوز الخطوط الحمراء.
وعندما تصل العلاقات بين دولتين جارتين إلى مرحلة طرد السفراء، وإغلاق الأجواء، والتلويح بإقفال المنافذ الحدودية، فإن المنطقة كلها تكون أمام مشهد إقليمي شديد الحساسية، يحتاج إلى قراءة عميقة بعيدًا عن الانفعال.
السودان اليوم لا يتحرك — وفق هذا الطرح — من باب الاستعراض السياسي، بل من منطلق إعادة تعريف قواعد التعامل مع الجوار الإقليمي، خاصة في ظل ما يراه كثيرون تراكمًا لمواقف إثيوبية وُصفت بالعدائية أو المتجاوزة للمصالح السودانية، سواء في ملفات الحدود أو الأمن أو التدخلات غير المباشرة أو التعاطي مع الأزمات الإقليمية.
إن الحديث عن إغلاق منافذ مثل القلابات والفشقة والكرمك وقيسان لا يعني فقط تعطيل الحركة الحدودية، بل يحمل رسائل سياسية واقتصادية وأمنية عميقة.
فهذه المعابر ليست مجرد طرق عبور، وإنما شرايين تجارة وحركة بشرية وتأثير جيوسياسي متبادل.
والسودان بحكم موقعه الجغرافي يمثل بوابة استراتيجية مهمة لإثيوبيا نحو العمق العربي والإفريقي.
لكن في المقابل، فإن أي تصعيد شامل يحمل أيضًا كلفة متبادلة، لأن الجغرافيا لا تسمح بسهولة بعزل كامل بين دولتين متداخلتين في الاقتصاد والأمن والمجتمع الحدودي.
لذلك فإن معادلة القوة الحقيقية لا تقوم فقط على “الإغلاق”، وإنما على القدرة على استخدام أدوات الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة تستنزف الجميع.
السودان، بعد الحرب وما خلفته من تحديات داخلية، يسعى إلى تثبيت صورة الدولة القادرة على حماية سيادتها وعدم السماح بتحويل أراضيه أو أجوائه أو حدوده إلى مساحات ضغط عليه.
وهذه الرسالة موجهة ليس فقط إلى إثيوبيا، بل إلى كل الإقليم:
أن الخرطوم تريد أن تُعامل كدولة ذات قرار مستقل ومصالح لا يجوز تجاوزها.
غير أن الحكمة السياسية تظل مطلوبة في مثل هذه اللحظات الحساسة.
فالتصعيد قد يمنح مكاسب تكتيكية سريعة، لكنه يحتاج إلى رؤية استراتيجية دقيقة حتى لا تتحول المنطقة إلى بؤرة اضطراب دائم، خصوصًا في ظل الأوضاع المعقدة في القرن الإفريقي، وتشابك ملفات المياه والحدود واللاجئين والأمن الإقليمي.
ويبقى السؤال الأهم:
هل تنجح سياسة “الضغط السيادي” في فرض توازن جديد بالعلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا؟
أم أن المنطقة مقبلة على مرحلة استقطاب إقليمي أكثر حدة؟
الأكيد أن السودان، وهو يرفع سقف مواقفه، يريد أن يقول بوضوح:
إن زمن الصمت على التجاوزات قد انتهى، وإن احترام الدولة السودانية ليس خيارًا تفاوضيًا، بل قاعدة لا بد أن تُبنى عليها كل العلاقات المستقبلية.











إرسال تعليق