بقلم د.سعاد فقيري
بعد الحروب لا تُهدم المباني وحدها، بل تتشقق أيضاً العلاقات الإنسانية التي كانت تمنح المجتمع دفئه وتماسكه.
وبين ركام الذكريات والغياب، يطل علينا الحنين لا باعتباره بكاءً على الماضي، وإنما دعوة لاستعادة أجمل ما كان فيه.
في أحياء السودان القديمة، لم يكن الدكان مجرد مكان لبيع السكر والشاي والبسكويت. كان مساحة للود، ومجلساً للأخبار، ومأوى للمحتاج، ونافذة تطل منها قيم التكافل والتراحم.
كان صاحب الدكان يعرف أهل الحي واحداً واحداً. يعرف الكبير قبل الصغير، ويحفظ أسماء الأطفال أكثر مما يحفظ أسماء البضائع على الرفوف.
إذا جاءت امرأة ينقصها ثمن حاجتها قال لها: “أمشي يا حاجة وربنا يسهل”. وإذا نسي طفل بقية نقوده ناداه وأعادها إليه. وإذا ضاقت الدنيا على رجل أثقلته الظروف فتح له دفتر الدين قبل أن يفتح معه حديث الشكوى.
لذلك لم يكن الناس يقصدون الدكان لأنه الأرخص أو الأكبر أو الأكثر بضائع، بل لأنهم كانوا يجدون فيه شيئاً أصبح نادراً في هذا الزمان: الإنسانية.
واليوم، وبعد ما مر به السودان من حرب وتمزق ونزوح وفقدان، نحن أحوج ما نكون إلى استعادة تلك الروح. فإعادة إعمار الوطن لا تبدأ بالإسمنت والحديد فقط، وإنما تبدأ بإعادة بناء الثقة بين الناس، وإحياء قيم الرحمة والتسامح والتكافل التي كانت تسكن أحياءنا وقرانا ومدننا.
لقد خلفت الحرب جراحاً عميقة في النفوس، وفرقت بين الجيران والأصدقاء والأقارب، وجعلت كثيرين منشغلين بتأمين لقمة العيش ومواجهة أعباء الحياة. لكن السودان لن ينهض إلا إذا عاد أبناؤه إلى تلك المعاني البسيطة التي صنعت مجتمعاً متماسكاً عبر مئات السنين.
نحتاج إلى أن يكون كل واحد منا “صاحب دكان” بطريقته الخاصة؛ موظفاً ييسر للناس أمورهم، ومعلماً يزرع الأمل في طلابه، وطبيباً يخفف آلام مرضاه، ومسؤولاً يجعل خدمة المواطن أولويته، وجاراً يسأل عن جاره، وشاباً يمد يده لمن يحتاج.
فالناس لا تتذكر حجم الثروة التي امتلكناها، ولا المناصب التي شغلناها، ولا عدد المتابعين الذين جمعناهم. لكنها تتذكر كيف جعلناها تشعر. تتذكر الكلمة الطيبة، والموقف النبيل، والابتسامة الصادقة، والعون وقت الشدة.
كم من دكان صغير أغلق أبوابه ورحل صاحبه، لكن أثره ما زال حياً في ذاكرة الحي! وكم من أشخاص رحلوا عن الدنيا، لكن سيرتهم الطيبة ما زالت تتردد في المجالس والدعوات والقلوب.
إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء الطرق والجسور والمدارس والمستشفيات، بل يحتاج إلى إعادة بناء الإنسان السوداني الذي اشتهر عبر تاريخه بالنبل والكرم والشهامة وحسن الجوار.
ذلك هو الحنين الحقيقي؛ ليس حنيناً إلى الأماكن فحسب، بل حنين إلى القيم التي جعلت تلك الأماكن جميلة.
وفي زمن يسأل فيه كثير من الناس: “كم كسبت؟”، ربما يكون السؤال الأجمل: “كم إنساناً ارتاح لأنك مررت في حياته؟”
فالأوطان تُبنى بالحجارة، لكنها تُحفظ بالمحبة. والمجتمعات تتعافى بالقوانين، لكنها تزدهر بالأخلاق. أما الذكريات الجميلة، فهي الرصيد الذي يبقى عندما يغيب كل شيء.
آخر السطر…
قد تغلق الدكاكين أبوابها، وقد ترحل وجوه أحببناها، لكن الطيبة لا تموت، وأصحاب الأثر الجميل يظلون فاتحين أبوابهم في ذاكرة الناس… إلى آخر العمر.











إرسال تعليق