حفاوة النور قبة… وتحريك موازين القوة في صمت ياسر أبو ريدة

  • بتاريخ : 20 أبريل، 2026 - 5:57 م
  • الزيارات : 7
  • بقلم /ياسر أبو ريدة
    ليست كل الحفاوات بروتوكولًا، ولا كل الاستقبالات مجرد لقطات عابرة للاستهلاك الإعلامي. فبعض المشاهد تُكتب بلغة السياسة قبل أن تُقرأ بلغة العاطفة، وتُفهم في سياق موازين القوة لا في إطار المجاملات. من هذا الباب، تبدو الحفاوة التي أُحيط بها النور قبة أقرب إلى مؤشرٍ لتحولٍ أعمق مما يظهر على السطح.
    في أزمنة الصراع، لا تُقاس الأوزان بالألقاب، بل بحجم التأثير والامتداد. والرجل، الذي تعود جذوره إلى تجربة مبكرة مع القوات النظامية في حرس الحدود قبل تشكل الدعم السريع، لا يدخل المشهد من فراغ، بل من موقع خبرةٍ متراكمة وفهمٍ دقيق لتعقيدات الميدان. وهي عناصر تجعل من أي تحرك له فعلًا محسوبًا، لا مجرد حضور عابر.
    لكن المعادلة في السودان لا تُختزل في البعد العسكري وحده. فحيث تتشابك الدولة بالبنية الاجتماعية، يتحول القائد إلى أكثر من موقع؛ يصبح حاملًا لثقلٍ مجتمعي يمتد خارج حدود الميدان. بعض الشخصيات تمثل مفاتيح لجماعات كاملة، وتحريكها يعني إعادة توزيع النفوذ، لا إضافة رقم في معادلة. لذلك فإن كسب شخصية ذات تأثير اجتماعي واسع لا يُقرأ كتعزيزٍ للقوة فقط، بل كسحبٍ مباشرٍ لها من يد الخصم.
    هذا التحول يمتد إلى ما هو أبعد من الميدان، ليطال عمق الحرب النفسية والاستخباراتية. فانتقال شخصية مؤثرة من معسكر إلى آخر لا يربك حسابات الخصم فحسب، بل يفتح ثغرات في تماسكه، ويمنح الطرف المقابل معرفةً دقيقة ببنيته الداخلية. وهنا، تتحول المعركة من مواجهة سلاح إلى صراع عقول وإرادات.
    وفي قلب هذا المشهد، لا يمكن فصل ما جرى عن الحنكة السياسية والعسكرية للفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي يدير معركته بعقلٍ يتجاوز ظاهر الوقائع إلى ما بعدها. فمثل هذه الخطوات لا تُقرأ كتحركات آنية، بل كجزء من رؤيةٍ أوسع تستند إلى عمقٍ استخباراتي في تفكيك بنية الخصم وإعادة تشكيل موازين القوة بهدوءٍ محسوب. وهي مقاربة تُراكم نتائجها بعيدًا عن الضجيج، لكنها تترك أثرًا واضحًا مع مرور الوقت.
    ما جرى، إذًا، ليس مجرد استقبال لافت، بل رسالة متعددة الاتجاهات:
    إلى الداخل بأن موازين القوة قابلة للتبدل،
    وإلى الخارج بأن المشهد لم يُغلق بعد،
    وإلى الخصم بأن قواعد اللعبة لم تعد كما كانت.
    ويبقى السؤال الأهم:
    هل تُستثمر هذه اللحظة كمدخل لتحولٍ استراتيجي حقيقي، أم تُستهلك كعنوانٍ عابر في سجل الصراع؟
    الإجابة، كما تقول الوقائع دائمًا، لا تصنعها الحفاوة… بل ما يليها من نتائج، والتي سيقرأها الجميع حين تتكشف آثار هذا المشهد على الأرض.