ليست كلُّ شهادات التخرّج أوراقًا تُعلّق على الجدران؛ فبعضها يُكتب بالصبر، ويُوقَّع بالإيمان، ويُتوَّج بالثبات في وجه المحن.
واليوم، تحتفي أسرة دكتور ياسر أحمد إبراهيم، ومعها كل من يؤمن بأن للعلم رسالة سامية، بتخرّج *الدكتور عماد الدين ياسر أحمد إبراهيم من كلية الطب* – جامعة السودان العالمية، في إنجازٍ مشرّفٍ لم يكن عاديًا في زمنٍ استثنائي.
لقد بدأ طريقه العلمي مبكرًا، متسلّحًا بالجد والانضباط منذ أيامه الأولى في مدرسة الخرطوم العالمية الابتدائية، ثم في مدرسة المنار الثانوية، حيث كان التميّز سمةً لا طارئة، حتى بلغ اليوم الذي انتظره طويلًا، متوَّجًا بلقب الطبيب، بعد مسيرةٍ لم تُختصر، ولم تُمنح، بل انتُزعت انتزاعًا بالإرادة.
غير أن ما يمنح هذا التخرّج قيمته الحقيقية، ليس التفوّق الأكاديمي وحده، بل السياق الإنساني القاسي الذي كُتب فيه.
ففي خضم الحرب والحصار، عاشت الأسرة أيامًا بالغة القسوة في شارع المشتل في الخرطوم(الرياض)؛ انقطاعٌ للكهرباء، شُحٌّ في الغذاء، وتهديدٌ دائم من المليشيات المتمرّدة. وفي قلب هذا المشهد، برز عماد الدين ثابتًا، متماسكًا، يتقدّم أسرته إمامًا في الصلوات، حتى جاء عيد الفطر ليُصلّى في المنزل، في مشهدٍ نادر، كثيف الدلالة، يختصر معنى الإيمان حين يصبح ملاذًا وحيدًا.
ثم توالت محطات النزوح، من الدروشاب إلى أبو حمد بولاية نهر النيل، حيث أقامت الأسرة أشهرًا في بيتها الكبير، قبل أن تتيسّر سُبل السفر إلى المملكة العربية السعودية، في ضيافة كريمة من شقيقته الدكتورة منى وزوجها المهندس محمد محمود. ورعايه عمه دكتور حافظ احمد ابراهيم بمدينه الطائف ومتابعه جده العم حافظ ابراهيم واسرته في الرياض. وهناك، وبعد استقرار الأحوال وافتتاح مركز الرياض، واصل عماد الدين دراسته، متحدّيًا ضغوط الغربة، وأعباء النفس والجسد، حتى أثمر الصبر نجاحًا مستحقًا.
وفي هذا المقام، لا يفوتنا أن نثمّن عاليًا الدور الوطني والعلمي الذي قامت به جامعة السودان العالمية، إذ أثبتت أن المؤسسات العريقة لا تنهار في الأزمات، بل تبتكر الحلول، وتصنع الأمل، وتُبقي شعلة العلم متقدة، حتى في أحلك الظروف.
إن تخرّج الدكتور عماد الدين ليس إنجازًا فرديًا فحسب، بل شهادة حيّة على أن العلم أقوى من الحرب، وأن الإرادة الصادقة قادرة على شقّ طريقها وسط الركام، وأن السودان – مهما أثقلته الجراح – لا يزال ينجب أبناءً يحملون رسالة الطب، وضمير الإنسانية، وروح العطاء.
ألف ألف مبارك للدكتور عماد الدين، سائلين الله أن يجعل علمه نافعًا، وخطاه موفّقة، وأن يكون ذخرًا لأهله، ونورًا لمرضاه، ولبنةً صادقة في بناء وطنٍ يستحق الحياة.
*والدك:











إرسال تعليق