تحديات المرحلة الانتقالية: غياب الرؤية، والثقة، ومنصة الحكماء – (1)

  • بتاريخ : 27 يناير، 2026 - 8:23 م
  • الزيارات : 50
  • بقلم /  مولانا عبدالقادر محمد أحمد

    لقد واجهت المرحلة الانتقالية عدة تحديات قادت إلى ما انتهى إليه أمرها.
    وقد كانت ولا زالت مهمة التفكيك من أعقد تحديات تلك المرحلة والمرحلة الحالية، بحيث لا يمكن فصلها عن أي رؤية للحل الشامل للأزمة.
    فالتمكين لم يكن مجرد فساد إداري أو مالي، بل كان ولا زال سيطرة شاملة على مفاصل ومؤسسات الدولة، بما فيها العدلية والاقتصادية، وشبكات المال والنفوذ، بحيث أصبح النظام هو الدولة نفسها.
    ولتسهيل تناول تعقيدات قضية التفكيك، سأناقشها عبر بعض كتابات د. عبد الله علي إبراهيم، بوصفه أحد الكُتّاب الذين أسهموا في النقاش العام حولها وفي محاولة ترشيد أداء اللجنة.
    في أغسطس 2020، نشر د. عبد الله مقالًا بعنوان: «لتعزيز نظام إزالة التمكين الهجين..»، وصف فيه إزالة التمكين بأنها نظام هجين يجمع بين الشرعية الثورية والشرعية القضائية، وأن ذلك دليل على نبل الثورة لأنها لم تنطلق من روح الانتقام.
    ويؤكد أهمية العدل بوصفه عقيدة الثورة، ويشدد على أهمية انضباط اللجنة داخل اختصاصها، وعلى مبدأ المحاسبة الفردية القابلة للطعن.
    وأن إزالة التمكين لن تنجح ما لم تلتزم بالعدل والإجراءات القانونية والشفافية.
    وفي فبراير 2022، نشر مقالًا بعنوان «حسناء في بيئة قانونية قاصرة»، وآخر في يناير 2025 بعنوان “من يريد أن يعرف من أين جاء هؤلاء…” ، وكلاهما يتناقض مع مقال «الهجين» الذي كان يتحدث بمنطقٍ قانوني أخلاقي.
    لكنه في المقالين الأخيرين انتقل إلى لغة ثورية حادّة، يبرر فيها أسبقية الفعل الثوري وتجاوز القضاء والإجراءات، ويدافع عن اختصاص اللجنة “الثوري الفريد”، بل ويحرض على محاسبة جماعية واسعة.
    وكأن هذه المقالات الاسترجاعية جاءت كمحاولة لإعادة بناء موقفٍ فكري بعد انكشاف النتائج.
    ولكن تبقى المشكلة ليست في موقف د. عبد الله الغريب، بل في أن تعقيدات قضية التفكيك كانت تحتاج إلى جهدٍ سياسي وقانوني مشترك، ووجود تأثيرٍ مؤسسي للحكماء، لا الاكتفاء بجهود فردية أو مقالات تمر بلا أثر وسط ضجيج الأحداث.
    إن هذا التناقض، أو الارتباك المفاهيمي، لازم كثيرين وأصبح مدخلًا للتشكيك داخل صف أنصار الثورة.
    وسببه ليس وجود اختلاف حول مبدأ التفكيك، لكن وسيلة التفكيك كانت تتطلب نظرةً أعمق وفهمًا أشمل.
    فالثورة حزمةُ أهدافٍ مترابطة، لا يمكن إنجاز أحدها بمعزلٍ عن الأخرى، وإلا فإن النتيجة الحتمية هي ما حدث من إخفاق.
    وبمعنى آخر، ما جرى لم يكن فشلًا لفكرة التفكيك، بل فشلًا لإدارتها خارج سياق رؤيةٍ شاملة للانتقال الآمن.
    والمرجعية في كل ذلك هي الوثيقة الدستورية؛ فأي حديثٍ يخالف ما نصّت عليه يظل فاقدًا للمشروعية، ويُعد خصمًا على شعارات الثورة ومصداقيتها.
    ثم إن مهمة التفكيك لم تُهزم بسبب تحديات التعويق المتعمدة، فالتعويق كان أمرًا متوقعًا، ولا بسبب غياب الإدراك بكيفية تنفيذ الهدف فحسب، وإنما أيضًا بسبب غياب بوصلة مشتركة توحِّد الرؤية بين مكونات الحكومة الانتقالية، وحاضنتها السياسية، والشارع الثوري، بل وحتى داخل كل مكوّن على حدة.
    كما أسهم غياب التواصل والثقة بين المكوّن المدني والعسكري في تعميق هذا الخلل.
    ويُضاف إلى ذلك غياب منصة رسمية للحكماء والمفكرين السياسيين والقانونيين، كان من شأنها ترشيد النقاش العام وضبط الخلافات ضمن إطار فكري ومؤسسي واضح.

     

    مقالات ذات صلة

    من دفاتر الزمن الجميل…رحلة العمر و مشوار السنين (7)
    أبريل 17, 2026

    من دفاتر الزمن الجميل…رحلة العمر و مشوار السنين (7)

    بقلم الطيب مضوي شيقوق كاتب – روائي – محامي الحلقة السابعة ذاكرة النهر والمواسم: الدندر كما كانت تُروى لم تكن الدندر وقراها مجرد امتدادٍ جغرافيٍّ على الخريطة، بل كانت فضاءً تتشكل فيه الحياة كل عام من جديد، حين تمتزج السماء بالأرض في لحظةٍ كأنها وعدٌ قديم، فتنهض الأرض من سكونها، وتستعيد المواسم نبضها الأول. هناك، […]

    *هل عجزت آمنة أم ضاع صبري ؟ قضية شركات المشرّف*
    أبريل 17, 2026

    *هل عجزت آمنة أم ضاع صبري ؟ قضية شركات المشرّف*

    بقلم/صبري محمد علي (العيكورة)     والسيدة آمنة ميرغني هي محافظ بنك السودان الحالي وصبري لك حرية أخذها بالمعنيين والقصة …. سبق أن كتبنا عنها بتاريخ العاشر من يناير الماضي أي قبل ثلاثة أشهر و(غرابة) القصة …. تكمن في عدم تنفيذ أحكام القضاء وإذا إستصحبنا أن بنك السودان (كانت) على إدارته (قحط) فما باله و […]

    في مقال كتبه للجزيرة، دكامل إدريس : سنُبعد من حكومة الأمل كل من  تحوم حوله شبهة الفساد
    أبريل 17, 2026

    في مقال كتبه للجزيرة، دكامل إدريس : سنُبعد من حكومة الأمل كل من تحوم حوله شبهة الفساد

    بقلم/د.كامل إدريس “رئيس الوزراء السوداني” حينما زرت مجلس الأمن الدولي في ديسمبر/كانون الأول الماضي لتقديم رؤية حكومة الأمل للسلام في السودان، كنت أحدق في هذه الردهات التي خبرتها؛ بسبب عملي لسنوات طوال في الأمم المتحدة. كان بالي مشغولا في اتجاه آخر إلى بلدي، حيث احتلت مخيلتي صورة أولئك البسطاء الذين شردتهم مليشيا الدعم السريع من […]

    وهم الملكية الوطنية في مؤتمر برلين حول السودان: عندما تُدار السيادة من الخارج
    أبريل 17, 2026

    وهم الملكية الوطنية في مؤتمر برلين حول السودان: عندما تُدار السيادة من الخارج

    *حوارات حول الأفكار(116)* بقلم / د. حيدرمعتصم مدني “مدير مركز الخ طوم للحوار” “في برلين، حيث تُصاغ الحلول للسودان، يُطلب من السودانيين أن يؤمنوا بأنهم هم من يقودونها.هكذا يتجسد ‘وهم الملكية الوطنية’ في أوضح صوره: لغة سيادية تُخفي بنية إدارة خارجية مكتملة.” ليست المشكلة في مؤتمر برلين حول السودان أنه يتحدث عن “عملية سياسية بقيادة […]

    إرسال تعليق

    • التعليقات التي تقوم بإرسالها سيتم نشرها بعد موافقة فريق الإدارة.
    • الرسائل التي تحتوي على افتراء أو اتهام لن يتم نشرها.
    • الرسائل التي تكون بغير اللغة العربية أو غير مرتبطة بالموضوع لن يتم نشرها.