بين الذاكرة والجراح… كيف نصنع سلامًا لا ينهار؟

  • بتاريخ : 5 يوليو، 2026 - 11:11 ص
  • الزيارات : 118
  •  

    بقلم: الطيب شيقوق / المحامي و المستشار القانوني

    جاء توقيع الوثيقة السنارية للصلح المجتمعي في الخامس من يوليو 2026، بحضور رسمي وشعبي واسع، ليبعث برسالة أمل مفادها أن السودان، رغم جراح الحرب، لا يزال قادرًا على صناعة مبادرات تجمع ولا تفرق، وتداوي ولا تعمق الجراح. كما حملت كلمات المسؤولين والإدارات الأهلية والقادة المجتمعيين معاني جديرة بالتأمل، حين أكدت أن السلم المجتمعي لا يكتمل إلا بالتنمية، وحفظ الحقوق، ونبذ خطاب الكراهية، وترسيخ ثقافة التعايش.

    وهذه رسائل تستحق التأييد، لأنها تضع الإصبع على حقيقة جوهرية، وهي أن السلام ليس مجرد اتفاق يُوقَّع، وإنما عملية متواصلة تتطلب إرادة سياسية، وعدالة ناجزة، وثقة مجتمعية تُبنى بصبر وحكمة.
    ومن هنا، فإن نجاح الوثيقة السنارية لن يُقاس بحفل التوقيع، ولا بعدد الكلمات التي قيلت فيها، وإنما بقدرتها على أن تتحول إلى واقع يلمسه المواطن في أمنه، وعدالته، ومعيشته، وفي عودة العلاقات الطبيعية بين مكونات المجتمع.

    ولعل هذا المعنى يكتسب أهمية خاصة عند الحديث عن بعض المناطق التي ما تزال تحمل آثار الحرب في نفوس أهلها، ومنها أجزاء من ريف الدندر، حيث تتطلع الدولة إلى إنجاز مصالحات وإعادة المواطنين إلى قراهم. وهي خطوة تستحق الدعم من حيث المبدأ، لكنها تحتاج إلى حكمة في التنفيذ، حتى تكون بداية لسلام دائم، لا مجرد هدنة مؤقتة.

    لقد علمتنا تجارب الشعوب أن السلام لا يبدأ بعودة السكان وحدها، وإنما يبدأ بعودة الدولة، وسيادة القانون، واطمئنان الجميع إلى أن العدالة ستأخذ مجراها، وأن الحقوق لن تضيع، وأن لا أحد سيُؤخذ بجريرة غيره. فالجرائم مسؤولية أفراد، أما المجتمعات والقبائل فلا يجوز أن تتحمل وزر أفعال من ينتسبون إليها.

    ولهذا فإن الطريق إلى سلام مستدام يمر عبر الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، والأمن المحايد، والتنمية، ثم المصالحة المجتمعية الصادقة. فإذا اجتمعت هذه الأركان، أصبحت وثيقة الصلح بداية عهد جديد، وإذا غاب بعضها، بقي السلام معرضًا للاهتزاز مع أول أزمة.

    إن أهل سنار والدندر وسائر السودان يستحقون سلامًا يعيد إليهم الطمأنينة، ويطوي صفحة الحرب دون أن يطوي الحقوق، ويغلق أبواب الفتنة دون أن يغلق أبواب العدالة. ذلك هو السلام الذي يبقى، وذلك هو الوفاء الحقيقي لدماء الضحايا، ولآمال الأحياء، ولحق الأجيال القادمة في وطن آمن ومستقر.