بين الدمج والتسريح… هل يقترب السودان من لحظة بناء الجيش القومي؟

  • بتاريخ : 8 مارس، 2026 - 10:51 ص
  • الزيارات : 282
  • بقلم / الطيب مضوي شيقوق

    “محامي ، ومستشار قانوني”

    أثارت التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الفريق ياسر العطا، مساعد القائد العام للقوات المسلحة وعضو مجلس السيادة، نقاشًا واسعًا في الساحة السودانية، بعد إعلانه أن المرحلة المقبلة ستشهد دمج جميع التشكيلات العسكرية التي شاركت في القتال إلى جانب الجيش، أو تسريحها وإعادة دمج أفرادها في الحياة المدنية.
    ورغم أن هذه التصريحات جاءت في إطار مخاطبة عسكرية للقوات المرابطة في الخرطوم، إلا أن ما حملته من دلالات يتجاوز حدود الخطاب العسكري المباشر، ليطرح سؤالًا أكبر يتعلق بمستقبل الدولة السودانية نفسها: هل يقترب السودان أخيرًا من استعادة فكرة الجيش القومي الواحد؟
    لقد أفرزت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 واقعًا عسكريًا شديد التعقيد. فإلى جانب الجيش النظامي، ظهرت تشكيلات متعددة حملت السلاح في سياقات مختلفة، منها ما نشأ دفاعًا عن المناطق، ومنها ما جاء دعمًا للجيش في معاركه، ومنها ما تبلور في إطار المقاومة الشعبية. ومع امتداد الحرب، أصبح وجود هذه التشكيلات أمرًا واقعًا لا يمكن تجاهله في معادلة الأمن والاستقرار.
    غير أن تجارب الدول التي مرت بظروف مشابهة تؤكد حقيقة أساسية: لا يمكن لدولة أن تستقر بوجود جيوش متعددة أو تشكيلات مسلحة خارج إطار مؤسسة وطنية واحدة. فقد يكون التعدد المسلح مبررًا في لحظة الحرب والاضطرار، لكنه يتحول مع مرور الزمن إلى مصدر دائم للاضطراب والتنافس والصراع.
    ومن هنا تأتي أهمية ما أُعلن عنه من توجه نحو الدمج أو التسريح. فهذه الخطوة تعني عمليًا وضع نهاية لمرحلة الاستثناء العسكري التي فرضتها ظروف الحرب، والانتقال تدريجيًا نحو إعادة بناء المؤسسة الأمنية على أسس مهنية وقومية، بحيث تعود الدولة لتحتكر وحدها سلطة حمل السلاح وتنظيم استخدامه.
    واللافت في هذه التصريحات أنها لم تتحدث عن عملية طويلة ومفتوحة كما حدث في تجارب سابقة، حيث أُرجئت ملفات إعادة الهيكلة لسنوات طويلة دون حسم. فقد أُشير بوضوح إلى أن التنفيذ لن ينتظر عامًا أو عامين أو حتى خمسة عشر عامًا، في رسالة تفيد بأن معالجة هذا الملف ينبغي أن تتم في أقرب وقت ممكن حتى لا يتحول إلى أزمة جديدة في مستقبل البلاد.
    لكن القضية لا تتوقف عند حدود دمج المقاتلين في القوات المسلحة أو الشرطة أو الأجهزة الأمنية. فالشق الآخر من المعالجة يتصل بمن لا يرغب في الاستمرار في العمل العسكري. وهنا برزت فكرة إعادة دمج هؤلاء في المجتمع عبر برامج تدريب مهني تمكنهم من اكتساب مهارات إنتاجية والاندماج في الحياة المدنية بصورة طبيعية.
    وهذه النقطة في غاية الأهمية، لأن التجارب الدولية في مرحلة ما بعد النزاعات تشير بوضوح إلى أن تسريح المقاتلين دون توفير بدائل اقتصادية واجتماعية قد يؤدي إلى عودة العنف في أشكال أخرى، سواء عبر الجريمة المنظمة أو عبر ظهور تشكيلات مسلحة جديدة.
    ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعلان هذه التوجهات، بل في كيفية تنفيذها على أرض الواقع. فعملية الدمج تتطلب معايير واضحة تقوم على المهنية والكفاءة، كما تحتاج إلى قدر كبير من الحكمة السياسية حتى لا تتحول إلى مصدر توتر جديد بين المكونات المختلفة التي شاركت في الحرب.
    كما أن نجاح هذه الخطوة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بترسيخ فكرة أن المؤسسة العسكرية ينبغي أن تكون مؤسسة قومية خالصة، لا تخضع لاعتبارات الجهة أو القبيلة أو الولاء السياسي، وإنما تقوم على مبدأ الانتماء للوطن وحده.
    فالدول لا تُبنى بتعدد البنادق، ولا تستقر بتنافس الجيوش، وإنما تستقيم حين تحتكر الدولة وحدها حق استخدام القوة في إطار قانوني ومؤسسي واضح. ومن دون ذلك تظل احتمالات الفوضى قائمة مهما كانت النوايا حسنة.
    ويبقى الأمل معقودًا على أن تمضي بلادنا في طريق التعافي بعد سنوات أنهكتها الحروب والانقسامات. فالسودان، الذي عرفه أبناؤه وطنًا للتسامح والتنوع، يستحق أن يستعيد عافيته وأن تعود إليه مؤسسات الدولة قوية جامعة لا مفرقة.
    إن بناء جيش قومي واحد تُجمع عليه إرادة السودانيين ليس مجرد خطوة عسكرية، بل هو حجر الزاوية في إعادة بناء الدولة نفسها. فحين تنتظم البنادق تحت راية الوطن، وتتوارى الانتماءات الضيقة خلف مصلحة السودان الكبرى، تبدأ رحلة الاستقرار الحقيقي.
    حفظ الله وطننا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونصر جيشنا، وألهم أبناء السودان الحكمة ليجعلوا من هذه المرحلة بداية لعهد جديد تُصان فيه وحدة البلاد وكرامة الإنسان.