المهندس الإمام عبد اللطيف يكتب سلسلة: رؤية لإعادة بناء السودان (1)

  • بتاريخ : 31 يوليو، 2026 - 10:50 ص
  • الزيارات : 4
  • 1- المياه في السودان… لماذا يجب أن تكون قضية وطنية؟*

    بقلم: م.م. الإمام عبداللطيف الإمام

    قال تعالى: *﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفلا يؤمنون﴾* [الأنبياء: 30].

    ليست هذه الآية الكريمة مجرد حقيقة علمية، بل هي إعلان رباني بأن الماء هو أساس الحياة، ومنطلق العمران، وسر إستمرار الحضارات. ومن هنا، فإن الدول التي تحسن إدارة مواردها المائية تؤسس لمستقبل آمن ومستدام، بينما تدفع الدول التي تهمل هذا المورد ثمنًا باهظًا في أمنها الغذائي، وإقتصادها، وإستقرارها.
    ويُعد السودان من أغنى الدول الإفريقية بالموارد المائية، بما يملكه من نهر النيل وروافده، والأمطار، والأنهر والأودية الموسمية والخيران، والمياه الجوفية، إضافة إلى المسطحات المائية الواسعة. ومع ذلك، فإن هذا الثراء الطبيعي لم يتحول بعد إلى قوة اقتصادية وتنموية تتناسب مع حجمه، بسبب تحديات الإدارة والتخطيط والاستثمار.
    إن قضية المياه لم تعد قضية خدمية أو قطاعية، بل أصبحت *قضية أمن قومي* تمس حاضر الدولة ومستقبلها. فالمياه ترتبط بالأمن الغذائي، وإنتاج الطاقة، والصناعة، والصحة العامة، والاستقرار الاجتماعي، وحتى بالسياسة الخارجية والعلاقات مع دول الجوار.

    تزداد أهمية هذا الأمر إذا علمنا أن معظم الموارد المائية في السودان هي موارد مائية مشتركة مع دول أخرى، الأمر الذي يجعل حسن إدارتها مسؤولية وطنية وإقليمية في آن واحد.
    • فحوض نهر النيل يشترك فيه السودان مع عشر (١٠) دول أخرى،
    • ⁠كما أن العديد من الأنهار والأودية العابرة للحدود ترتبط بأربع (٤) دول مجاورة،
    • ⁠ويشترك السودان في حوض بحيرة تشاد مع تشاد وسبع(٧) دول أخرى،
    • ⁠إضافة إلى اشتراكه في عدد من الأحواض الجوفية مع ست (٦) دول. وهذا الواقع يفرض على السودان أن ينتهج دبلوماسية مائية نشطة تقوم على التعاون، وتبادل المعلومات، والإلتزام بالقانون الدولي، بما يحفظ الحقوق المائية ويحقق المنافع المشتركة لجميع شعوب المنطقة.
    لقد أثبتت التجارب أن التعاون في إدارة المياه المشتركة لا ينتقص من الحقوق، بل يعززها، ويحول المياه من مصدر للخلاف إلى وسيلة للتكامل والإستقرار والتنمية.
    غير أن امتلاك الموارد وحده لا يكفي. فكم من دولة تملك ثروات طبيعية هائلة، لكنها أخفقت في إدارتها، وكم من دولة محدودة الموارد استطاعت، بحسن التخطيط والإدارة، أن تحقق نهضة اقتصادية كبيرة. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام السودان ليس في ندرة المياه، وإنما في حسن إدارتها.
    ويستلزم ذلك *وضع إستراتيجية وطنية متكاملة لإدارة الموارد المائية*، تقوم على التخطيط العلمي، وتحديث التشريعات، وتعزيز البحث العلمي، وبناء قواعد بيانات دقيقة، واستخدام التقنيات الحديثة في الرصد والمتابعة، وتأهيل الكوادر الوطنية، بما يضمن الإستخدام الأمثل لكل قطرة ماء.
    كما ينبغي أن تتكامل إستخدامات المياه، فلا يقتصر الإهتمام على مياه الشرب والري فقط، بل يشمل كذلك توليد الطاقة الكهرومائية، ودعم الصناعة، وتنمية الثروة السمكية، والسياحة البيئية، وحماية النظم البيئية الطبيعية.
    ومن الاستخدامات التي لم تنل ما تستحقه من اهتمام النقل النهري، رغم ما يتمتع به السودان من شبكة نهرية واسعة. فالنقل النهري يُعد من أقل وسائل النقل تكلفة وأكثرها كفاءة في نقل البضائع والركاب، كما يستهلك طاقة أقل، ويحد من الضغط على الطرق البرية، ويسهم في ربط الأقاليم، وتنشيط التجارة الداخلية، ودعم جهود إعادة الإعمار والتنمية المتوازنة.
    ولا يمكن الحديث عن مستقبل المياه في السودان دون مواجهة التحديات التي تعترض هذا القطاع، وفي مقدمتها آثار التغير المناخي، وتذبذب معدلات الأمطار، والفيضانات والجفاف، والتلوث، وضعف البنية التحتية، وغياب الصيانة، وتداخل الاختصاصات المؤسسية، ونقص المعلومات الدقيقة التي تُعد أساسًا لاتخاذ القرار السليم.
    ولهذا، فإن المرحلة القادمة تتطلب إرادة سياسية واضحة تجعل من المياه أولوية وطنية، من خلال تحديث مؤسسات قطاع المياه، وتطبيق الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وتعزيز التحول الرقمي، وتشجيع البحث العلمي، والاستثمار في البنية التحتية، وترسيخ ثقافة ترشيد إستخدام المياه في المجتمع.
    إن السودان يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليكون سلة غذاء للمنطقة، لكن هذا الحلم لن يتحقق إلا إذا أصبحت إدارة المياه جزءًا من مشروع وطني شامل للتنمية، يربط بين الزراعة، والطاقة، والصناعة، والنقل، والبيئة، في إطار رؤية إستراتيجية طويلة المدى.
    إن الدول لا تُقاس بما تملكه من مياه فحسب، بل بما تمتلكه من حكمة في إدارتها. والسودان، بما حباه الله من أنهار وأمطار ومياه جوفية، قادر على أن يجعل من المياه ركيزة للأمن الغذائي، والتنمية الاقتصادية، والإستقرار الوطني، إذا أحسن التخطيط، وأخلص الإدارة، وجعل من المياه قضية وطنية تتجاوز الحكومات إلى مسؤولية الدولة والمجتمع والأجيال القادمة.
    *إن بناء الدولة السودانية لن يتحقق بالشعارات، وإنما بالعلم، والعمل، والإدارة الرشيدة، والإرادة الوطنية الصادقة*.