المستشار الطيب شيقوق يعقب على مقال المستشار سيف اليزل عثمان

  • بتاريخ : 14 فبراير، 2026 - 9:10 ص
  • الزيارات : 89
  • تعقيبٌ إضافي على ما تفضل به استاذنا العالم سيف اليزل،

    بقلم/ المستشار  الطيب مضوي شيقوق 

    “محامي ومستشار قانوني”

    في تقديري أن النقاش حول مرجعية الشريعة ونظام الحكم لا ينبغي أن يبقى في الإطار النظري أو الفقهي المجرد، بل يجب أن يمتد إلى البنية المؤسسية للدولة، وفي مقدمتها القطاع المصرفي والمالي، لأنه هو الميدان العملي الذي تُختبر فيه أي رؤية اقتصادية مستمدة من الشريعة أو غيرها.
    فإذا كنا نتحدث عن “اقتصاد العدالة الاجتماعية” المستمد من مقاصد الشريعة، فإن السؤال الجوهري هو:
    كيف سينعكس ذلك على السياسات النقدية، وعلى هيكلة المصارف، وعلى علاقة الدولة بالمؤسسات المالية الدولية؟
    إن النظام المصرفي في السودان – سواء أكان تقليدياً أم إسلامياً – لا يعمل في فراغ، بل هو جزء من شبكة مالية عالمية تحكمها معايير دولية صارمة: اتفاقيات بازل، معايير الامتثال ومكافحة غسل الأموال، الإفصاح والحوكمة، وأنظمة المراسلات البنكية (Correspondent Banking). وأي صياغة دستورية أو تشريعية تتعلق بهوية النظام الاقتصادي يجب أن تراعي هذه الحقيقة حتى لا نعزل جهازنا المصرفي عن النظام المالي العالمي.
    كما أن التعامل مع مؤسسات التمويل الدولية – كصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والبنك الأفريقي للتنمية – لا يقوم فقط على الموقف الأيديولوجي، بل على قدرة الدولة على تقديم نظام مالي مستقر، شفاف، قابل للتنبؤ، ويحترم التعاقدات الدولية. وهذه المؤسسات، شئنا أم أبينا، تشكل بوابة رئيسية لإعادة دمج الاقتصاد السوداني في المجتمع المالي الدولي، خاصة في مرحلة إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات.
    من هنا فإن الحديث عن تبني نموذج اقتصادي مستمد من الشريعة ينبغي أن يُصاغ بلغة مؤسسية حديثة:
    تعزيز الشمول المالي ومكافحة الفقر عبر أدوات تمويل إنتاجي حقيقية لا مضاربات شكلية.
    تطوير صيغ تمويل إسلامية منضبطة بالمعايير المحاسبية الدولية (AAOIFI وغيرها) دون الإخلال بمتطلبات الشفافية العالمية.
    إعادة هيكلة المصارف على أسس رأسمالية سليمة، بما يمكنها من التعامل بثقة مع المراسلين الدوليين.
    فالتحدي ليس في إعلان المرجعية، بل في بناء نظام مصرفي قوي قادر على تحقيق مقاصد العدالة، وفي الوقت نفسه مندمج في الاقتصاد العالمي.
    إن أي مؤتمر دستوري جامع – كما دعا الكاتب – يجب أن يخصص محورًا كاملاً للنظام المالي والمصرفي، يجيب بوضوح عن أسئلة العلاقة بين الشريعة والسياسة النقدية، بين العدالة الاجتماعية والاستقرار المالي، وبين السيادة الوطنية ومتطلبات الاندماج الدولي. فغياب هذا الوضوح هو ما قادنا في تجارب سابقة إلى عزلة مصرفية مكلفة، وفقدان للثقة، وتراجع في الاستثمار.

    واخيرا، فإن التوفيق بين مرجعية الشريعة وحقوق المواطنة ووحدة الدولة لا يكتمل إلا إذا أُضيف إليها بعدٌ رابع، هو سلامة النظام المصرفي وحسن إدارة العلاقة مع مؤسسات التمويل الدولية، لأن الاقتصاد هو العمود الفقري لأي مشروع وطني، وأي خلل فيه ينعكس مباشرة على الاستقرار السياسي والاجتماعي.

    عميق ودي