بقلم: الطيب مضوي شيقوق/ المحامي
ليس كل مسؤول يغادر مكتبه يترك السلطة خلفه. فهناك من يسلّم مفاتيح المكتب، لكنه يحتفظ بمفاتيح النفوذ. يخلع البدلة الرسمية، لكنه يظل يعرف من يوقّع، ومن يوافق، ومن يرفض، ومن يستطيع أن يفتح الأبواب المغلقة.
هذا هو ما يمكن أن نسميه “المسؤول الباطني” لا يظهر اسمه في القرارات، ولا يجلس على رأس الاجتماعات، لكنه حاضر في الكواليس. يعرف الخرائط التي لم تُنشر، والفرص التي لم يُعلن عنها، والملفات التي لم تصل إلى الرأي العام. ولذلك يصبح انتقاله السريع إلى العمل في ذات القطاع الذي كان يشرف عليه محل تساؤل مشروع، ليس لأنه فقد حقه في العمل، فذلك حق تكفله القوانين، وإنما لأن المصلحة العامة تقتضي ألا تتحول المعرفة التي اكتسبها من الوظيفة العامة إلى امتياز تجاري خاص.
في كثير من الدول، عالجت التشريعات هذه الإشكالية بما يعرف بـ”فترة التهدئة”، وهي مدة زمنية يُمنع خلالها المسؤول السابق من العمل في المجالات التي كان يشرف عليها مباشرة، حمايةً للنزاهة، ومنعاً لتعارض المصالح، وحفاظاً على ثقة المجتمع في مؤسسات الدولة.
فالوظيفة العامة ليست مجرد عقد عمل ينتهي بانتهاء الخدمة، وإنما هي أمانة تتيح لصاحبها الاطلاع على معلومات قد لا تتوافر لغيره، وإقامة علاقات قد لا يستطيع غيره بناءها، والتأثير في قرارات قد تستمر آثارها سنوات طويلة.
ولا يكفي أن يكون المسؤول نزيهاً، بل ينبغي أيضاً أن يكون بعيداً عن مواطن الشبهة. فالعدالة لا تكتفي بأن تُمارس، وإنما يجب أن يطمئن الناس إلى أنها تُمارس.
ومن هنا، فإن أخطر أشكال تعارض المصالح ليس ذلك الذي يقع أثناء شغل المنصب فحسب، بل قد يبدأ بعد مغادرته، عندما تتحول المعرفة العامة إلى رأس مال خاص، ويتحول النفوذ السابق إلى استثمار لاحق.
إن بناء مؤسسات قوية يقتضي وضع قواعد واضحة تنظم انتقال المسؤولين إلى القطاع الخاص، وتحظر استغلال المعلومات غير المعلنة أو العلاقات الوظيفية لتحقيق مكاسب شخصية. فالدولة لا تخسر عندما يغادرها مسؤول، لكنها قد تخسر كثيراً إذا غادرها المنصب وبقي النفوذ.
إن المسؤول الحقيقي هو الذي يترك خلفه سيرةً طيبة، لا شبكة مصالح؛ ويورث المؤسسات أنظمةً راسخة، لا ولاءاتٍ شخصية. أما المسؤول الباطني، فهو وإن غاب عن المشهد، يبقى ظله حاضراً، يثير الأسئلة حول الحدود الفاصلة بين الحق في العمل، والواجب في صون الأمانة العامة.
وما أحوج دولنا إلى تشريعات أكثر وضوحاً، ورقابة أكثر استقلالاً، وثقافة تؤمن بأن المنصب العام خدمة للوطن، لا بوابةً لاستثمار النفوذ بعد مغادرته.











إرسال تعليق