“اللص الفاخر” والعيش في “كنف الأزمات”

  • بتاريخ : 7 مارس، 2026 - 2:52 م
  • الزيارات : 44
  • نبض للوطن || أحمد يوسف التاي

    (1)
    ليس ثمة فرقٍ كبير بين المعتقل والسجين والمواطن الذي يعيش تحت سقف بيته في دولة تحكمها الأمزجة، عِوضًا عن القانون ، وتديرها الشلليات ، بدلًا عن المؤسسات، وتضبط حركتها مصالح الأفراد ،و”اللصوص الفاخرون” والمجموعات بدلًا عن المصالح العامة..
    المعتقل في سجنه لايملك حرية الإعتراض على شيء، مثل المواطن في الدولة التي تتحكم في إقتصادها الأذرع “الأخطبوطية” ومافيا التهريب، وأكابر “اللصوص الفاخرون” ..
    والمواطن الذي يتعرض للظلم والقهر والنهب بأشكال متعددة من (اليد القوية) ، و”السلطة” و”المتسلطين ” ولايملك حتى “ترف” الشكوى، فهو والسجين سواء، لا فرق بينهما، الفرق فقط في أن الأول تتكفل الدولة بإعاشته داخل السجن او المعتقل، والثاني يتكفل بإعاشة عياله والدولة معًا..نعم ينفق على أولاده والدولة..
    (2)
    وكذا الإعلام الذي لايجروء على انتقاد قرارات رأس الدولة وكشف تجاوزاته، إلا من الخارج ، هو إعلام سجين أيضًا ومعتقل في مقراته ليس له من أمره شيء، لاينشر إلا ما يسمح به السجّان..
    صحيح قد يُلقي الإعلام السجين المكبوت أحيانًا بصيصًا من الضوء على فساد هنا وتجاوزات هناك، وحينها يصبح الحدث ليس الفساد الخطير الذي كشفه الإعلام ، بل الحدث الذي يستحق الوقفة هو : من أين استمد الإعلام جرأته في نشر هذا الفساد؟!!! ومن يقف وراءه ومن سند ظهره، وكيف حصل على ذلك، ومن سرب له الملفات من داخل بيت الكلاوي؟..هذه كلها أسئلة وعلامات استفهام ظلت حاضرة عند كشف كل عملية فساد حكومي..ألم تكن هذه مفارقة غير مسبوقة.
    (3)
    في الأنظمة التي لا سيادة فيها للقانون، ولا المؤسسات، والتي تخضع ل” المزاج الشخصي” ومصالح الأفراد والشلليات…في هذه الأنظمة الفساد هو الأصل، والنزاهة والشفافية إستثناء، وترك الفاسد بلا عقاب هو  “الأصل”، وتقديمة للمحاكمة محاسبته استثناء ، ولهذا السبب يبدو نشر ملفات الفساد حتى الخطيرة منها، أضحى لدى الناس ليست خبرًا، بإعتبار أن النشر لم يأت بجديد، وإنما نشر ماهو معلوم بالضرورة.. لذلك تنصرف الأنظار إلى السؤال الذي يداهم الأذهان في الغالب : كيف تجرأ هذا الصحافي أو تلك الصحافية على نشر هذه “النتانة”، ومن يحميه؟، وهنا لا أحد يعوِّل على حماية القانون، لأن القانون مُغيب ولاتثريب عليه، وإنما تتجه الانظار إلى فرضية وجود حماية من الشلليات والمجموعات..
    (4)
    الوضع القاتم أعلاه نعيش في السودان أسوأ منه بسبب إستمرار الحرب ، وبسبب غياب المؤسسات التشريعية، فلا برلمان قومي، ولا مجالس تشريعية ولائية، ولامجالس محلية، والسلطة القضائية وإن كانت حاضرة في المحاكم فقط، فهي غائبة بغياب المحكمة الدستورية، وهي غائبة أيضا في محطة مجلس القضاء العالي..!
    إذن هناك سلطة تنفيذية فقط تعمل في غياب أهم ضلعين، هما السلطتين التشريعية ، والقضائية، ولا حاجة إذن لمبدأ فصل السلطات ، فكل السلطات في يد مجلس السيادة.
    (5)
    هذه الأوضاع المائله لايمكن إصلاحها إلا بأمرين، الأول العمل بصورة جادة على وقف الحرب وتحقيق السلام، والأمر الثاني الإنتقال إلى الحكم المدني الديمقراطي، فالسلام هو “الأصل” والحرب أمر طاريء،..و الحكم المدني الديمقراطي هو “الأصل” والإنقلابات وحكومات الأمر الواقع، والأوضاع الإنتقالية كلها أمور طارئة..وفي كنف الطواريء تكمن الكوارث والأزمات ويكثر التسلط والاستبداد، ومن جعل حظوظه ومكاسبه في (الطواريء) لايقوى على العيش إلا في كنفها ولايريد للطواريء ان تنجلي، وهل يستطيع “اللص الفاخر” العيش في أجواء دولة القانون ، والحريات والأمن والإستقرار والصحافة الحرة المسؤولة التي تعمل وفق القانون..
    أما “اللص الفاخر” الذي يسرق وينهب بالقانون، ويتسول ويحتال باللوائح، والاوراق الرسمية، وكل سطو ونهب عنده ب”القانون”، فهذا لن تكون له مكانا في دولة القانون الحقيقية والمؤسسات الراسخة والصحافة الحرة ، لأنه سيفقد كونه عضوا في مجالس إدارات “10” مؤسسات حكومية من شركات ومصارف ونحوها وبالتالي يفقد المخصصات والامتيازات والحوافز السنوية والمنح والبدلات الخرافية والسلفيات، والقروض الميسرة من ال “10” مؤسسات، وسيفقد كل الذي كان يسطو عليه بالقانون، هذا نموذج فقط للص فاخر، والأمثلة كثيرة….اللهم هذا قسمي فيما املك..
    نبضة اخيرة:
    ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.