السودان وعلل الفشل في بناء الدولة (9)

  • بتاريخ : 10 يونيو، 2026 - 11:09 م
  • الزيارات : 2
  • بقلم / م. مامون محمد الطيب عمر

    “الحلقة التاسعة”

    يتواصل التنقيب عن أثر النظم السياسية الحاكمة على بنية المجتمعات السودانية وشعوبها بالإنتقال لمرحلة الغزو المملوكي من الجار الشمالي مصر بلاد القبط كما كانت تسمى قبل الفتح الاسلامي والتي كانت ترزح وشعوبها تحت سطوة الحكم المملوكي أيضا ..تلك فترة ما عرف في التاريخ الشفاهي لدى السودانيين بالتركية السابقة .. وكأن الإحتلال الثنائي البريطاني المصري اللاحق هو التركية اللاحقة ..!

    أزالت قوة الدولة المملوكية في مصر مملكة سنار وأثرها بقوة السلاح الناري والتنظيم الحديث للجيش الغازي ورغم هذا التنظيم الذي صاحب قيام دولة المماليك بالسودان أو مايطلق عليه بالتركية السابقة على المستوى العسكري وتنظيم شئون الدولة ودواوينها وتقسيمها الإداري وإدخال بعض التحسينات فيها وتوسيع رقعة الدولة وإستيعاب بعض مواطنيها في سلك العسكرية المنظم وبعض الأعمال الإدارية التي لم يألفوها سابق عهدهم فإنها ظلت محدودة الأثر على المستوى الإجتماعي والإقتصادي لمواطني الدولة المحتلة بحكم الأهداف الرئيسة التى احتلت بسببها الأرض ممثلة في الإستفاد من الموارد ومن منتجات وكنوز الأرض واستخدام الأيدي العاملة في أنشطتها العسكرية التوسعية وفي تجارة الرق الرائجة فأنحصر التنظيم وإدخال بعض منتجات المدنية الغربية الحديثة بجانب السلاح الناري في بعض وسائل النقل النهري البخاري، و التلغراف كوسيلة إتصال سريع لضمان التحكم في الدولة المتسعة بأضطراد وتحقيق هذه الأهداف الرئيسة ..

    عدا ذلك ظلت حياة المجتمع دون تغيير كبير في عمومها ولغالب السكان على وتيرتها القديمة إلا من قليلين أرتبطوا بالمؤسسة العسكرية أو كأفندية في تسيير شئون الدولة ودواوينها .. فالنظام العشائري القبلي ظل أداة لجمع الضرائب والمكوس والتعليم ظل محدودا في الخلاوى والمسايد إلا لعدد محدود ممن حظوا بالسفر لنيل العلوم بالأزهر في الغالب ..

    بذلك مثل عهد الحكم المملوكي للسودان بداية متواضعة بفتح كوة على منتجات العالم المتمدين غربا وأسس في بعض الحواضر حامياته العسكرية ومتطلباتها كالعاصمة في الخرطوم والأسواق الكبري في بعض الحواضر مثل مدني والأبيض وكسلا وسواكن ثغرها للملاحة البحرية ونشأت فيها بعض الجاليات الأجنبية جالبة بصحبتها بعضا من مهارات التجارة الخارجية ومنتجاتها فكان تأثيرها على عادات وطبائع من تواجد معهما بهذه الحواضر من أهل السودان سلبا و ايجابا .. عدا ذلك فقد سارت الحياة خارج هذه الأسوار سيرورتها المعتادة دون تغيير كبير يذكر ..
    ثم حدث تغيير جديد حين أقتحمت ثورة الفكي محمد أحمد الملقب بالمهدي حصونها و دكت أسوارها متحدية جيوشها المنظمة المدججة بالسلاح الناري والمسنودة بخبرات العسكرية البريطانية فأحالتها خراب وأقامت أول حكم محلي بعد إندثار مملكة سنار .. فماذا فعلت ثورة المهدي بالسودان وما التغيير الذي جلبت على نواحي حياته المختلفة وأنشطته و ثقافته ..أتابع ذلك عند تعرضي لأثر حكومة المهدي ومن خلفه بعد موته حتى إنكسارها أمام غزو جديد من إمبراطورية لا تغيب الشمس عنها ..

    أواصل …