الذكاء الإيراني نقل معركته مع أمريكا وإسرائيل من وقف تخصيب اليورانيوم إلى فتح مضيق هرمز

  • بتاريخ : 2 أغسطس، 2026 - 12:14 م
  • الزيارات : 5
  • بقلم / محمد بابكر

    يعد الملف النووي الإيراني حجر الزاوية في معادلة الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني لعقود طويلة. لطالما رفعت واشنطن شعارا استراتيجيا وحيدا هو منع طهران من حيازة السلاح النووي. وقد ترجم هذا التوجه ميدانيا في يونيو 2025 عبر عملية عسكرية أُطلق عليها اسم (مطرقة منتصف الليل) استهدفت منشآت (فوردو) و(نطنز) و(أصفهان) ليخرج بعدها البيت الأبيض معلنا طي صفحة (خطر اليورانيوم المخصب) .

    غير أن قراءة المشهد الجيوسياسي بعد مرور عام كامل على تلك الضربات تكشف عن واقع مغاير إذ لم يكن الإنجاز العسكري المعني بتحييد المنشآت ختاما للأزمة بل كان عتبة نحو صراع أشد عمقا وأبهظ ثمنا بالنسبة للولايات المتحدة والمجتمع الدولي.

    فقد نجحت القيادة الإيرانية ببراعة في نقل مركز الثقل من مسار (القضاء على المواد المخصبة) إلى سباق محموم وفوري لـفك طوق مضيق هرمز.

     

    إن تلويح طهران بمضيق هرمز لم يكن يوما مجرد رد فعل تكتيكي عابر بل هو عقيدة استراتيجية راسخة في الفكر السياسي والعسكري الإيراني منذ سنوات طويلة.

    ففي عام 2011 أجرىت حوارا صحفيا مع السفير الإيراني لدى الخرطوم انذاك المهندس جواد ترك آبادي وكنت حينها محررا بصحيفة التيار

    هذا الحوارلم ينشر حتى هذه اللحظة بسبب إغلاق جهاز الامن انذاك لصحيفة التيار جراء مقال لرئيس تحريرها عثمان ميرغني ضد الرئيس السابق عمر البشير.

     

    وكنت قد سالت السفير الإيراني في الحوار عن كيف ترى إيران تداعيات التوترات المتصاعدة بين طهران واشنطن في العام2011 وهل تخشي إيران حقا خيار المواجهة العسكرية الشاملة؟

    فكان رد السفير جواد ترك آبادي إن الإدارة الأمريكية تدرك جيدا أن اللعب في حديقتنا الخلفية له أثمان كبرى. ونحن لا نسعى للحرب ولكننا نؤمن تماما بحقنا في الدفاع عن سيادتنا واقتصادنا بكل الوسائل المتاحة.

    وسالته عن أبرز تلك الوسائل غير التقليدية التي تمتلكونها لردع الهيمنة الأمريكية؟

    فاجاب السفير جواد ترك آبادي (مبتسما بثقة) وببساطة شديدة.. إذا حاربتنا أمريكا في لقمة عيشنا فسنغلق مضيق هرمز ليكون اول من يجوع هي أمريكا!)

     

    لقد أثبتت أحداث بعد ذلك أن تلك الكلمات لم تكن مجرد تصريحات دبلوماسية استهلاكية بل كانت ترجمة مبكرة لعقيدة أمنية مؤجلة جرى تفعيلها حرفيا عندما وصلت المواجهة الاقتصادية والمعيشية إلى ذروتها.

    لقد ارتكز الرد الإيراني على تفعيل نهج (تعدد أوراق الضغط). فعندما اصطدم طموح البرنامج النووي بطريق مسدود جراء ضربات عام 2025 فعّلت طهران ذلك الخيار الجيوسياسي القديم والمتمثل في السيطرة على مياه مضيق هرمز.

    برغم ان الملف النووي قد شغل مرتبة التهديد الوجودي الأول لواشنطن وجرى تحييده عسكريا لكنه استُبدل بتحد آخر أشد ضراوة.هو إغلاق مضيق هرمز

    و تحول المضيق من مجرد ورقة مناورة دبلوماسية وتهديد احتمالي إلى أزمة عالمية طاحنة ومرتكز أساسي لأي تسوية قادمة.

     

    عندها انحسر التركيز على العقوبات المانعة للتخصيب ليحل محلها حصار بحري عكسي ومفاوضات مباشرة تهدف لضمان تدفق إمدادات الطاقة العالمية.

     

    إن إغلاق الممر المائي الذي يعبر من خلاله خُمس الاستهلاك العالمي من النفط لم يقتصر على كونه ردة فعل عسكرية بل شكّل إعادة توجيه شاملة لبوصلة الصراع. وبينما كان اليورانيوم يمثل خطرا مستقبليا من الناحية النظرية أمسى إغلاق مضيق هرمز خطرا عاجلا يضرب عمق الاقتصاد الدولي ومفرزا لتداعيات بالغة الخطورة

     

    أثبتت التجربة عجز التفوق الجوي الامريكي عن تأمين ممر مائي ضيق ومعقد جغرافيا في مواجهة أساليب القتال غير المتوقعة التي تبرع فيها طهران مما كشف بوضوح عن محدودية الحلول العسكرية البحتة.

     

    انتقل الجهد الأمريكي من أعمال التفتيش والرقابة النووية إلى إزالة الألغام البحرية وحماية خطوط الملاحة وناقلات النفط.

    مما أدى للقفز الجنوني لأسعار الطاقة في الأسواق العالمية وإلى جعل إقرار فتح المضيق ضرورة انتخابية ملحّة تتجاوز بأهميتها ملف التفكيك النووي.

     

    توج هذا التحول الميداني بتوقيع مذكرة تفاهم في يونيو 2026 نصت على إعادة فتح الممر المائي في مقابل رفع الحصار المفروض بحريا وتمكين إيران من استئناف صادراتها النفطية بلا قيود. ويعكس هذا الاتفاق اعترافا ضمنيا بتصدع استراتيجية (الضغوط القصوى) الأمريكية الإسرائيلية. وظهر جليا أحكام إيران على مفاصل المعركة

    لقد قبلت الإدارة الأمريكية بصيغة تكرس التفوق الإيراني فطهران لم تعد بحاجة لامتلاك مواد مخصبة للتلويح والابتزاز طالما أنها تحافظ على القدرة على شلل عصب الاقتصاد العالمي بقرار سيادي واحد.

     

    ختاما

    لم يعد خافيا على الرصد الاستراتيجي أن ما جرى في فصول هذه المواجهة لا يقتصر على مجرد مناورة تكتيكية أو احتواء مؤقت للأزمات بل يمثل تحولا جذريا في موازين القوى يعلن بوضوح عن نصر إيراني عسكري وتكتيكي وسياسي ساحق على الثنائي الأمريكي الإسرائيلي.

    فحين سعت آلة الحرب الأمريكية والإسرائيلية إلى حسم المعركة بضربات جوية خاطفة استهدفت البنية التحتية للبرنامج النووي ظنا بأنها ستركع طهران وتفرض شروط الاستسلام أثبتت القيادة الإيرانية قراءة أعمق للميدان ولجغرافيته بحرفية منقطعة النظير.

    لقد استبدلت معركة (تخصيب اليورانيوم) التي أرادها الخصم ساحة لهدفه المطلق بمعركة (التحكم في شرايين الطاقة العالمية) في مضيق هرمز وهي النقطة التي تحطمت عندها أوهام التفوق التكنولوجي والعسكري المطلق.

     

    عسكريا وتكتيكيا أثبتت الاستراتيجية الهجينة والقدرات البحرية الإيرانية عجز الترسانة الأمريكية عن تأمين ممرات الملاحة الضيقة محولة التفوق الجوي للخصم إلى ورقة خاسرة عاجزة عن منع الشلل الاقتصادي الشامل.

    سياسيا تُرجم هذا الصمود الميداني إلى رضوخ صريح تمثل في مذكرة تفاهم يونيو 2026و التي أرغمت واشنطن وتلابيب على رفع الحصار واستئناف الصادرات النفطية الإيرانية كاملة دون قيد أو شرط مكرسة بذلك معادلة (النفط مقابل الملاحة) بشروط طهران لا شروط خصومها.

    لقد خرجت إيران من أتون هذه المواجهة لا كدولة دمّرت منشآتها فحسب بل كقوة إقليمية كبرى فرضت إرادتها السياسية والعسكرية وأثبتت قدرتها الفائقة على إعادة صياغة قواعد اللعبة الدولية مسطرة بذلك فصلا تاريخيا من النصر الاستراتيجي الساحق الذي أسقط استراتيجية الضغوط القصوى إلى غير رجعة.