الدندر… عقول نيرة تُولد في الريف وتحتاج إلى من يكتشفها

  • بتاريخ : 24 سبتمبر، 2026 - 7:32 ص
  • الزيارات : 18
  • بقلم / د. محمد سالم خلف الله

    حين نتحدث عن التفوق والذكاء في الدندر، فإننا لا نتحدث عن حالات فردية عابرة، وإنما عن ظاهرة تستحق أن نتوقف عندها، وأن ننظر إليها باعتبارها ثروة بشرية حقيقية تحتاج إلى الرعاية والاهتمام.
    وما يقدمه الشاب فيصل إلياس دفوعه من نموذج مشرّف للذكاء والتفوق، ليس إلا مثالاً واحداً من أمثلة كثيرة يمكن أن تكون موجودة بين أبناء الدندر، ولكنها لم تجد بعد من يكتشفها أو يمد لها يد العون.
    فالدندر تمتاز بأبناء أصحاب عقول نيرة، وملكات ذهنية ومواهب متعددة، وربما يمتلك بعضهم قدرات استثنائية في مجالات مختلفة، لكن المشكلة أن كثيراً من هذه الطاقات تظل حبيسة البيئة التي نشأت فيها؛ ليس لضعفها، وإنما لغياب من يكتشفها ويوجهها ويهيئ لها الطريق.
    وهؤلاء الموهوبون لا يعيشون في مركز الدندر وحده، بل ينتشرون في شرق المحلية وغربها وشمالها وجنوبها، وفي القرى والأرياف البعيدة عن مراكز التعليم والخدمات. إنهم أبناء الريف الذين نشأوا في بيئة هادئة وبسيطة، لكن البساطة لا تعني أبداً محدودية التفكير أو ضعف القدرات.
    بل ربما يكون الهدوء الذي يحيط بحياة الريف، وما يفرضه من اعتماد على النفس والصبر والملاحظة، بيئة تُخرج ملكات وقدرات لا تظهر إلا عندما تجد الفرصة المناسبة.
    المشكلة الحقيقية أن كثيراً من هؤلاء الأبناء لا يجدون من يقول لهم: أنت تستطيع أن تصل إلى أبعد من ذلك.
    ولا يجدون من يكتشف موهبتهم في وقت مبكر، أو يساعدهم في مواصلة تعليمهم، أو يربطهم بالفرص المتاحة، أو يضع أمامهم نماذج ناجحة يمكن أن يستلهموا منها طريقهم.
    وبالتأكيد، هناك قرى معروفة في الدندر عُرفت منذ زمن بعيد باهتمامها بالتعليم، وخرجت أجيالاً من المتعلمين وأصحاب المهن والتخصصات المختلفة، وهذا يؤكد أن البيئة المحلية قادرة على صناعة التفوق متى وجدت الوعي والاهتمام والمبادرة.
    لكن المطلوب اليوم أن ننتقل من الجهود الفردية والمبادرات المحدودة إلى مشروع مجتمعي لاكتشاف ورعاية الموهوبين والمتفوقين في محلية الدندر كلها.
    نحتاج إلى مبادرات تستهدف المدارس، خاصة مدارس الريف، لاكتشاف الطلاب الذين يمتلكون قدرات متميزة في العلوم والرياضيات واللغات والآداب والرياضة والتقنية وغيرها من المجالات.
    ونحتاج إلى قاعدة بيانات محلية للطلاب المتفوقين، حتى لا يضيع المتفوق بمجرد انتهاء المرحلة الدراسية، وحتى يعرف المجتمع أبناءه المتميزين ويتابع مسيرتهم التعليمية.
    كما نحتاج إلى رجال الأعمال وأبناء الدندر في الداخل والخارج، وإلى المعلمين والمهندسين والأطباء والقانونيين والأساتذة الجامعيين وكل أصحاب الخبرة، ليكون لهم دور في رعاية طالب متفوق أو موهوب، وتوفير ما يستطيعون من دعم أو إرشاد أو توجيه.
    فليس كل دعم للطالب المتفوق مالياً بالضرورة. أحياناً تكون كلمة من شخص ناجح، أو توجيه من أستاذ، أو تعريف بفرصة تعليمية، أو مساعدة في اختيار التخصص، سبباً في تغيير حياة طالب بأكملها.
    والأهم من ذلك أن نطلق بين شباب الدندر مبادرات توعوية تؤكد أن التعليم ليس ترفاً، وأن التفوق ليس مسؤولية الأسرة وحدها، وإنما مسؤولية المجتمع كله.
    علينا أن نبحث عن أبنائنا في القرى النائية، وأن نصل إليهم قبل أن تصل إليهم ظروف الحياة الصعبة وتغلق أمامهم أبواب التعليم. فكم من عقل موهوب ربما لم يجد الكتاب، وكم من طالب متفوق ربما توقفت مسيرته بسبب عجز أسرته عن توفير تكاليف الدراسة، وكم من موهبة ربما ضاعت لأنها لم تجد من يقول لصاحبها: واصل.
    إن الاستثمار الحقيقي في الدندر ليس في مواردها الطبيعية وحدها، وإنما في عقول أبنائها.
    والطالب الذي نساعده اليوم على مواصلة تعليمه قد يصبح غداً طبيباً أو مهندساً أو أستاذاً أو باحثاً أو قائداً مجتمعياً، ويعود بعلمه وخبرته لينفع أهله ومنطقته.
    لذلك فإن ظهور نماذج مثل فيصل إلياس دفوعه ينبغي ألا يكون مناسبة للاحتفاء بشخص واحد فقط، بل فرصة لطرح سؤال أكبر:
    كم فيصل يوجد في قرى الدندر ولم نكتشفه بعد؟
    وهنا تبدأ مسؤوليتنا.
    الدندر لا ينقصها الذكاء، ولا تنقصها المواهب، ولا تنقصها العقول النيرة؛ ما تحتاجه هو من يكتشف هذه العقول، ويؤمن بها، ويوجهها، ويفتح أمامها الطريق.
    فإذا أردنا مستقبلاً أفضل للدندر، فلنبدأ من مدارسها، ومن قراها، ومن أطفالها وشبابها، ولنجعل اكتشاف الموهبة ورعاية التفوق مشروعاً مجتمعياً تتشارك فيه الأسرة والمدرسة والمجتمع وأبناء الدندر في الداخل والخارج.
    فالذكاء الفطري موجود في الدندر… والمطلوب فقط أن نمنحه الفرصة لكي يتحدث.