أطفال يدفعون فواتير لم يوقّعوا عليها

  • بتاريخ : 26 سبتمبر، 2026 - 7:27 م
  • الزيارات : 6
  • في أحد الأعياد، قد يقف طفل أمام خزانة ملابسه، يختار ثيابه الجديدة، ثم يسأل أمه إن كان أبوه سيأتي لاصطحابه هذا العام. وقد تجيبه بأنها لا تعرف، أو تعده بأنه ربما يأتي، وهي تخشى في داخلها أن يتكرر الغياب. لا يدرك الطفل شيئًا عن تفاصيل الخلاف الذي انتهى بالطلاق، ولا يفهم لماذا أصبح لقاء أبيه موعدًا غير مضمون، لكنه يعرف جيدًا أن أقرانه يتحدثون عن آبائهم، وأنه لا يجد ما يقوله عندما يسألونه عن أبيه.

    هذه ليست حكاية طفل واحد، ولا مشهدًا نادرًا في حياة الأسر التي انتهت علاقاتها الزوجية. إنها صورة من صور معاناة صامتة يعيشها أطفال وجدوا أنفسهم في قلب خلافات لم يصنعوها، ثم طُلب منهم أن يتكيفوا مع نتائجها وكأنهم كانوا جزءًا من القرار.

    لا أحد يملك حق إجبار زوجين على الاستمرار في حياة لم تعد ممكنة، فالطلاق قد يكون أحيانًا ضرورة تحمي الطرفين من أذى أكبر. لكن ما يصعب تبريره هو أن يتحول الانفصال إلى بداية لمعاناة الأطفال، وأن تصبح الخلافات القديمة سببًا في حرمانهم من أب أو أم، أو في جعلهم وسيلة للانتقام وتصفية الحسابات.

    قد ينتهي الزواج، لكن الأبوة لا تنتهي، والأمومة لا تسقط، مهما بلغت الخلافات بين الطرفين. ومع ذلك، هناك آباء يغادرون حياة أبنائهم بمجرد أن يغادروا بيت الزوجية، كأنهم كانوا مرتبطين بالأطفال من خلال الأم وحدها. يتزوج بعضهم من جديد، ويبدأ حياة مختلفة، ويستقبل أبناءه الجدد بالحب والرعاية، بينما يظل أطفاله من زواجه الأول ينتظرون زيارة لا تأتي أو اتصالًا لا يتجاوز دقائق قليلة.

    وما أشد قسوة أن يرى الطفل أباه قادرًا على الحضور في حياة غيره، بينما لا يجد له مكانًا في يومه. قد لا يستطيع التعبير عن غيرته أو حزنه، وقد يخجل من الاعتراف بأنه يتمنى أن يحظى بالاهتمام نفسه الذي يناله إخوته. لكنه يلاحظ التفاصيل الصغيرة التي قد لا ينتبه إليها الكبار، ويتذكر الوعود التي لم تُنفذ، والمواعيد التي انتظرها طويلًا، والأعياد التي مرت دون أن يرى أباه.

    وليس غياب الأب وحده ما يؤلم هؤلاء الأطفال، فبعضهم يعيش بين أبوين لا يكفان عن تبادل الاتهامات، ويجد نفسه مضطرًا إلى نقل الرسائل أو الدفاع عن أحدهما أمام الآخر. وقد تخبر الأم طفلها بما فعله أبوه، أو يطلب الأب من ابنته أن تنقل كلامًا إلى أمها، فيجد الصغير نفسه أمام مهمة لا تناسب عمره ولا قدرته على فهم ما يجري. والأسوأ أن يُطلب منه أن يختار، أو أن يشعر بأن حبه لأحد والديه خيانة للآخر.

    وفي خضم هذه المعارك، غالبًا ما تُنسى مشاعر الطفل تمامًا. ينشغل الكبار بإثبات من كان على حق، ومن أخطأ، ومن يستحق اللوم، بينما لا يجد الصغير من يسأله عما يشعر به، أو يطمئنه بأن ما حدث بين والديه ليس ذنبه. وقد يكبر وهو يحمل اعتقادًا مؤلمًا بأنه كان سببًا في رحيل أبيه، أو أن وجوده أصبح عبئًا على أحدهما.

    أما الأم التي بقيت مع أطفالها، فكثيرًا ما تجد نفسها أمام مسؤوليات تفوق طاقتها. عليها أن توفر احتياجات البيت، وتتابع الدراسة، وتواجه أسئلة الصغار، وتخفي قلقها كلما ضاقت بها الظروف. قد تعمل طوال النهار، ثم تعود لتبدأ يومًا آخر داخل المنزل، وقد تضطر إلى الاستغناء عن أشياء تخصها حتى لا يحرم أبناؤها من احتياجاتهم. وحين يسألها أحد أطفالها عن أبيه، قد تجد نفسها عاجزة عن تقديم إجابة تريح قلبه، لا لأنها لا تريد، وإنما لأنها لا تملك ما تقوله.

    لكن من المهم ألا تتحول معاناة الأم إلى مبرر لإلغاء دور الأب، أو أن يصبح الأبناء مسؤولية طرف واحد لمجرد أن الزواج انتهى. فالنفقة واجب، لكنها لا تختصر الأبوة، كما أن توفير المسكن والطعام والتعليم لا يعوض الطفل عن حاجته إلى الرعاية والاهتمام. الأب الذي يعتقد أن تحويل المال يكفيه لأداء واجبه قد لا يدرك أن ابنه يحتاج إلى أن يسمع صوته، وأن يجد منه سؤالًا عن يومه، وأن يشعر بأنه حاضر في ذاكرته واهتمامه.

    وفي المقابل، لا ينبغي أن نغفل أن بعض الأمهات يمنعن أبناءهن من آبائهم بدافع الغضب، أو يستخدمنهم وسيلة للضغط في خلافاتهن. فالطفل ليس ملكًا لأحد، ولا يجوز أن يُحرم من علاقة آمنة مع أحد والديه لمجرد أن العلاقة الزوجية انتهت. وإذا كان هناك عنف أو إساءة أو خطر حقيقي، فإن حماية الطفل تظل الأولوية، لكن الخلافات الشخصية لا ينبغي أن تتحول إلى عقوبة يدفع ثمنها الصغار.

    والمؤلم أن آثار هذه التجارب قد لا تظهر دائمًا في صورة بكاء أو شكوى. فقد يصبح الطفل أكثر انطواءً، أو سريع الغضب، أو يفقد ثقته بالآخرين، وقد يبدو طبيعيًا في المدرسة وبين أصدقائه، بينما يعجز عن فهم مشاعره في البيت. وبعض الأطفال لا يتحدثون عن معاناتهم لأنهم يخشون أن يزيدوا أعباء أمهاتهم، أو لأنهم اعتادوا ألا يجدوا إجابة لأسئلتهم. لذلك لا يصح أن نحكم على طفل بأنه تجاوز التجربة لمجرد أنه توقف عن الحديث عنها.

    وللمجتمع دور لا يقل أهمية عن دور الأسرة. فليس من المقبول أن يُحرج طفل بسبب غياب أبيه، أو أن يُسأل أمام زملائه عن سبب عدم حضوره، أو أن يُذكّر في كل مناسبة بأن أسرته مختلفة. وقد يظن قائل مثل هذه الأسئلة أنها عابرة، لكنه لا يعرف مقدار الحرج الذي يتركه في نفس طفل لا يملك القدرة على الدفاع عن نفسه. إن هؤلاء الصغار لا يحتاجون إلى نظرات الشفقة، بل إلى معاملة طبيعية تحفظ كرامتهم، وإلى بالغين يفهمون أن بعض الأسئلة قد تفتح جراحًا لا يرغب الطفل في الحديث عنها.

    ولا بد أن نتوقف أيضًا أمام الآباء والأمهات الذين يعتقدون أن الأطفال سينسون كل ما حدث بمجرد مرور الوقت. فالطفولة ليست مرحلة عابرة بلا ذاكرة، وما يعيشه الطفل في سنواته الأولى قد يرافقه طويلًا. وقد لا يتذكر تفاصيل كل زيارة لم تحدث، لكنه قد يتذكر شعوره وهو ينتظر، أو خيبته عندما لم يأتِ من وعده بالحضور، أو خوفه من أن يكون أقل أهمية من غيره.

    إن أكثر ما يحتاجه الطفل بعد انفصال والديه هو أن يشعر بأن حياته لم تتحول إلى عقوبة بسبب قرار اتخذه الكبار. يحتاج إلى أن يسمع من أبيه وأمه أن ما حدث بينهما لا علاقة له بحبهما له، وأنه ليس مطالبًا بإصلاح ما أفسدته الخلافات، ولا بالانحياز إلى طرف ضد الآخر. ويحتاج قبل كل شيء إلى أفعال تؤكد هذه الكلمات، لأن الوعود التي تتكرر دون أن تتحقق قد تصبح مصدرًا آخر للألم.

    ليس المطلوب أن يعود كل مطلقين إلى بعضهما، ولا أن يتظاهر أحدهما بالمودة للآخر، وإنما أن يتذكرا أن بينهما أبناء لا ذنب لهم فيما حدث. أن يتركا خلافاتهما خارج علاقتهم بأطفالهم، وأن يتوقفا عن استخدامهم في معاركهما، وأن يدرك كل منهما أن مسؤوليته تجاههم ستظل قائمة مهما تغيرت حياته.

    إن الطفل الذي ينتظر أباه أمام باب المدرسة، أو يسأل أمه عن موعد زيارته، أو يخفي اشتياقه حتى لا يحزن أحدًا، لا يعرف شيئًا عن الحقوق والإجراءات والنزاعات. كل ما يعرفه أنه يريد أن يعيش طفولته دون أن يشعر بأنه عبء أو طرف في خلاف لا يفهمه. وربما لا يحتاج إلى أكثر من أب يفي بوعده، وأم لا تضطر إلى تحمل كل شيء وحدها، وأسرة لا تجعله يدفع ثمن ما لم يختره.

    فكم من طفل اضطر إلى أن يكبر قبل أوانه، وكم من طفلة تعلمت إخفاء اشتياقها حتى لا تزيد حزن أمها، وكم من ابن ظل ينتظر اعتذارًا أو تفسيرًا لم يأتِ أبدًا؟ إننا كثيرًا ما نتحدث عن حقوق الزوج والزوجة بعد الطلاق، وننسى أن هناك حقوقًا لأطفال لم يشاركوا في اتخاذ القرار، لكنهم يتحملون عواقبه كل يوم.

    أيها الآباء والأمهات، قد تنتهي علاقتكم، وقد تبدأون حياة جديدة، لكن أبناءكم لا يملكون حياة بديلة عن طفولتهم التي يعيشونها الآن. فلا تجعلوا سنواتهم الأولى ساحة لتصفية الحسابات، ولا تتركوهم يواجهون وحدهم أسئلة أكبر من أعمارهم. فما من طفل اختار أن ينفصل والداه، ومع ذلك هناك أطفال كثيرون يدفعون ثمن ذلك الانفصال من أعمارهم وذكرياتهم وشعورهم بالأمان.

    والسؤال الذي يستحق أن يواجه كل من اتخذ قرارًا بالانفصال هو: هل فكرنا بما يكفي في الأطفال الذين سيعيشون نتائج هذا القرار، أم اكتفينا بحساب ما سنكسبه وما سنخسره نحن؟

    قهوتي أحب شربها باردة