أطفال الشوارع” في السودان..جذور الأزمة وأبعادها الخطرة (1)

  • بتاريخ : 26 فبراير، 2026 - 10:18 ص
  • الزيارات : 37
  • بقلم / د. ياسر أحمد إبراهيم

    “الأمين العام الأسبق للمجلس القومي للطفولة”

    لم تعد ظاهرة أطفال الشوارع في السودان مشهداً عابراً عند إشارات المرور أو في الأسواق الشعبية، بل أصبحت جرحاً اجتماعياً مفتوحاً يعكس خللاً عميقاً في بنية الاقتصاد، وتفككاً في بعض الهياكل الأسرية، وضعفاً في منظومات الحماية الاجتماعية.
    وأذكر أن أحد الأطفال – وهو يلمع زجاج السيارات عند إشارة مزدحمة – سُئل مازحاً:
    * *“ليه ما بتمشي المدرسة؟”*
    فأجاب بابتسامة أكبر من عمره:
    * *“لو المدرسة* *بتدفع زي الإشارة… أمشيها جاري!”*
    ضحك من حوله… لكن ضحكته كانت تختصر حكاية وجعٍ كامل؛ حين يصبح الشارع “فرصة عمل”، وتتحول الطفولة إلى مهنة مؤقتة بلا ضمانات.
    *أولاً: جذور الأزمة*
    تتشابك أسباب الظاهرة بصورة معقدة، ويمكن تلخيص أبرزها في:

    *1. الفقر والبطالة*

    الضغوط الاقتصادية دفعت بكثير من الأسر إلى العجز عن توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة لأطفالها.
    وفي إحدى الزيارات الميدانية، قالت أمٌ لطفل يعمل في السوق:
    “والله يا دكتور، أنا ما طلعتو الشارع… الشارع سبقنا للبيت.”
    جملة بسيطة، لكنها تختصر كيف يقتحم الفقر أبواب الأسر بلا استئذان.
    *2. النزاعات والحروب*
    أدت موجات النزوح واللجوء الداخلي إلى تفكك أسر كاملة، وفقدان الأطفال لبيئتهم الطبيعية الآمنة.
    فالطفل الذي يفقد منزله ومدرسته وأصدقاءه في لحظة نزوح، يفقد أيضاً الإحساس بالثبات… ومع الوقت يصبح الشارع بديلاً هشّاً عن وطن صغير كان اسمه “البيت”.

    *3. التفكك الأسري والعنف المنزلي*

    بعض الأطفال لا يهربون إلى الشارع بحثاً عن المغامرة، بل هرباً من بيئات قاسية تفتقد الأمان النفسي والجسدي.
    وحين سُئل طفل عن سبب خروجه من المنزل قال بطرافة موجعة:
    “في البيت عندنا قانون طوارئ دائم… وأنا ما قادر أعيش في حالة طوارئ!”
    هي نكتة في ظاهرها، لكنها تكشف أن بعض البيوت تحولت إلى مساحة خوف لا ملاذ أمان.
    *4. ضعف منظومة الحماية الاجتماعية*
    غياب التدخل المبكر والرصد الفاعل يحول المشكلة من حالة فردية إلى ظاهرة متفاقمة.
    فالطفل لا يصبح “طفل شارع” بين ليلة وضحاها؛ بل يمر بمحطات إنذار مبكر: غياب عن المدرسة، سلوك عدواني، تفكك أسري… لكن حين لا يجد من يلتقط الإشارة، يتكفل الشارع بالبقية.

    *5. تسرب الأطفال من التعليم*
    المدرسة كانت – وما زالت – خط الدفاع الأول. وعندما يغيب هذا الدور، تتسع دائرة الخطر.
    أحد الأطفال قال مرة:
    *“أنا بحب المدرسة… *لكن المدرسة ما بتحبني، كل يوم رسوم!”*
    في عبارة عفوية يلخص مأساة العلاقة بين الفقر والتعليم.
    إن الطفل الذي يجد نفسه في الشارع لا يصل إلى هناك فجأة، بل عبر سلسلة من الإخفاقات المتراكمة، تبدأ من الأسرة ولا تنتهي عند مؤسسات الدولة.
    *ثانياً: أبعاد خطرة تتجاوز الفرد*
    وجود الطفل في الشارع لا يعني فقط فقدانه للمأوى، بل يعرضه إلى:
    الاستغلال الاقتصادي والتسول المنظم
    حيث تتحول الطفولة إلى سلعة تُدار أحياناً عبر شبكات منظمة.
    الانخراط في أنشطة إجرامية
    بدافع الحاجة أو تحت ضغط الكبار.
    التعرض للإدمان
    بحثاً عن مهرب مؤقت من واقع قاسٍ.
    الاستغلال الجنسي
    وهو من أخطر الانتهاكات وأشدها أثراً على المدى البعيد.
    الأمراض وسوء التغذية
    نتيجة غياب الرعاية الصحية والبيئة الآمنة.
    وهنا تتحول القضية من مأساة إنسانية فردية إلى تهديد مباشر للنسيج الاجتماعي والأمن المجتمعي.
    وقد قال لي أحد الأطفال ذات مرة – *وهو يشير إلى رفاقه* –:
    “نحن ما سيئين… نحن بس ما لقينا زول يسمعنا بدري.”
    عبارة بسيطة، لكنها تختصر جوهر القضية: المشكلة ليست في الأطفال، بل في المساحات التي تركناها فارغة فملأها الشارع.
    إن استمرار الظاهرة دون معالجة جذرية يعني أننا نُنتج جيلاً مثقلاً بالحرمان، قد يتحول مستقبلاً إلى عبء بدلاً من أن يكون طاقة بناء.
    والأطفال – مهما قست الظروف – يظلون يحملون بذرة أمل، يحتاجون فقط إلى يدٍ تمتد في الوقت المناسب… قبل أن يصبح الشارع هو العنوان الدائم لحياتهم.