بقلم/ د.سعاد فقيري
“مدير مكتب اتحاد الشباب العربي”
عقارات الخرطوم.. حين تتحول “الجدران” إلى ملف أمن قومي
في ظل المنعطفات التاريخية التي تمر بها الأوطان، تبرز ظواهر تبدو في ظاهرها اقتصادية بحتة، لكنها في جوهرها تحمل نذر تغيرات هيكلية تمس صميم الأمن القومي.
وما يشهده سوق العقارات في العاصمة الخرطوم اليوم ليس مجرد حركة “بيع وشراء” عابرة، بل هو مشهد معقد يستوجب وقفة فاحصة من أعلى مستويات الهرم التنفيذي في الدولة.
إن المتابع للنشاط غير المسبوق في حركة تداول العقارات يلحظ مفارقة صارخة؛ ففي الوقت الذي تعاني فيه البلاد من تداعيات الحرب، يشتعل فتيل الطلب المركز والمكثف في توقيت استثنائي.
هذا التزامن المريب بين “البيع الاضطراري” للمواطن المكلوم، و”الشراء الشره” من جهات تمتلك سيولة ضخمة خارج النظام المصرفي، يضعنا أمام علامة استفهام كبرى:
من الذي يعيد رسم الخارطة الديمغرافية والاجتماعية للعاصمة؟
اختلال الموازين: قراءة في الأبعاد
إن ما يحدث اليوم هو “استنزاف صامت” لملكية المواطنين، حيث تُستغل الحالة النفسية الضاغطة وظروف عدم الاستقرار لدفع الناس نحو قرارات بيع متسرعة بأسعار لا تعكس القيمة الحقيقية للأصول. هذا الاختلال لا يؤدي فقط إلى ضياع ثروات الأفراد .
بل يفتح الباب على مصراعيه لتدفق أموال مجهولة المصدر، تجد في العقار ملاذاً آمناً لإعادة التدوير بعيداً عن أعين الرقابة المالية.
إن خطورة هذا المشهد تتجاوز الأرقام المحاسبية؛ فنحن أمام احتمال حقيقي لتغير أنماط الملكية في أحياء استراتيجية، مما قد يؤدي في المدى المتوسط والبعيد إلى خلخلة النسيج الاجتماعي وإيجاد واقع ديمغرافي جديد يفرض تحديات أمنية وسياسية يصعب تداركها لاحقاً.
رسالة إلى مجلس الوزراء:
التدخل قبل فوات الأوان
إن الدولة، بصفتها الحارس للأمن العام والاستقرار الاجتماعي، مطالبة اليوم بمغادرة مربع “المراقب الصمت” واتخاذ خطوات حازمة تتناسب مع حجم المخاطر. إننا لا ندعو إلى تقييد حرية السوق، بل إلى “تنظيمه وحمايته” من خلال:
سيادة النظام المصرفي:
يجب أن يكون “المرور عبر المصارف” شرطاً إلزامياً وصارماً لكل صفقة عقارية كبرى، لضمان مشروعية الأموال وقطع الطريق أمام أي اختراقات مشبوهة.
الرقابة الاستراتيجية: تشكيل لجنة مشتركة (أمنية، عدلية، ومالية) تضع صفقات العقار تحت مجهر الفحص، خاصة في المناطق ذات الحساسية العالية.
التوثيق الرقمي والشفافية:
بناء قاعدة بيانات مركزية فورية ترصد حركة انتقال الملكيات خلال فترة الأزمة، لتكون مرجعاً للدولة في تقييم التغيرات السكانية والاجتماعية.
حماية المواطن:
إطلاق حملات توعية وطنية تحذر من مغبة البيع الاضطراري، مع إيجاد بدائل تمويلية تدعم صمود المواطنين وتحفظ لهم أصولهم.
خاتمة:
إن العقار في الخرطوم ليس مجرد “أسمنت وطوب”، بل هو تاريخ، وهُوية، وحق سيادي.
إن التراخي في ضبط هذا الملف قد يحول العاصمة إلى ساحة لتوازنات جديدة لا تخدم المصلحة الوطنية العليا.
إنها دعوة لمجلس الوزراء الموقر للنظر إلى هذا الملف باعتباره “أولوية قصوى”؛ فالتدخل المنظم الآن هو استثمار في استقرار الغد، وصون لما تبقى من توازن في قلب الدولة السودانية.
اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد.











إرسال تعليق