الفونج حين يستيقظ التاريخ

  • بتاريخ : 30 يونيو، 2026 - 1:47 م
  • الزيارات : 33
  • بقلم / دكتور الزبير حمزة الزبير

    حينما يأتي ذكر الفونج فإن الحديث لا يقتصر على مجموعة سكانية أو إقليم جغرافي بل يمتد إلى واحدة من أبرز المحطات في تاريخ السودان حيث قامت مملكة الفونج في العام ١٥٠٤م واتخذت من سنار عاصمة لها لتؤسس دولة استمرت نحو ثلاثة قرون وأسهمت في تشكيل ملامح السودان السياسية والثقافية وفي ظل هذه الدولة انتشر الإسلام وازدهرت التجارة ونشأت مؤسسات للحكم والإدارة كما برزت سنار مركزاً للتواصل بين أفريقيا ووادي النيل والعالم العربي
    ورغم سقوط مملكة الفونج في عام ١٨٢١م فإن أثرها ظل حاضراً في الذاكرة الوطنية باعتبارها تجربة سودانية مبكرة في بناء الدولة ولهذا فإن الحراك الذي تشهده الساحة اليوم من أبناء الفونج يقرأه البعض على أنه استدعاء لهذا الإرث التاريخي وتذكير بالدور الذي لعبته المملكة في صناعة تاريخ السودان مع الدعوة إلى أن يكون له حضور يتناسب مع هذا الإرث في حاضر البلاد ومستقبلها وذلك لأن التاريخ يمثل العودة للماضي للاستفادة منه في الحاضر والمستقبل لتبني الدول بشكل أقوي
    فقد أثبتت التجارب أن قوة السودان كانت دائماً ًفي قدرته على استيعاب تنوعه وفي بناء شراكة بين مختلف أقاليمه ومكوناته ومن هذا المنطلق فإن أي حراك يستلهم التاريخ ينبغي أن يتجه نحو تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ العدالة واحترام التنوع، والمشاركة المتوازنة في بناء الدولة.
    إن الفونج جزء أصيل من تاريخ السودان كما أن تاريخ السودان هو حصيلة إسهامات جميع شعوبه وأقاليمه ولذلك، فإن استحضار تجربة مملكة الفونج ينبغي أن يكون مصدر إلهام لبناء مستقبل يقوم على التوافق والتنمية والسلام لا على استدعاء الانقسامات أو التنافس حول الماضي
    ومن هذا المنطلق يمكن قراءة الحراك الذي يشهده أبناء الفونج اليوم باعتباره تعبيراً عن إرث تاريخي عميق أكثر من كونه مجرد موقف سياسي عابر
    ففي سنار قامت مملكة الفونج التي مثلت أول دولة سودانية واسعة النفوذ بعد الممالك المسيحية واستطاعت على مدى قرون أن تؤسس نظاماً للحكم، وتربط بين أقاليم السودان المختلفة وتفتح أبوابها للتجارة والعلم والدعوة الإسلامية ولم تكن تلك المملكة مجرد سلطة سياسية بل كانت محطة مفصلية في تشكيل الهوية السودانية وصناعة تاريخها
    واليوم يعود اسم الفونج إلى الواجهة في وقت يمر فيه السودان بواحدة من أكثر مراحله تعقيداً وهذا الحضور يذكر بأن الشعوب التي صنعت التاريخ لا تقبل أن تكون على هامش المستقبل غير أن استحضار الماضي لا ينبغي أن يكون دعوة للعودة إليه بل فرصة لاستخلاص دروسه فالدول لا تُبنى بالأمجاد وحدها، وإنما بالرؤية والعدالة والمؤسسات والشراكة الوطنية
    إن تاريخ الفونج يمنح أبناءه حق الاعتزاز بإرثهم لكنه في الوقت نفسه يحملهم مسؤولية الإسهام في بناء وطن يتسع للجميع فالسودان لم تصنعه حضارة واحدة ولا إقليم واحد، بل هو ثمرة تفاعل طويل بين حضارات وثقافات وشعوب متعددة، لكل منها نصيب في كتابة تاريخه
    ولعل الرسالة الأهم التي يقدمها التاريخ اليوم هي أن المستقبل لن يكون لمن يستدعي أمجاد الماضي فحسب، بل لمن يحول ذلك الإرث إلى مشروع وطني يجمع ولا يفرق ويبني ولا يهدم ويجعل من التنوع مصدر قوة لا سبباً للانقسام. وعندها فقط يصبح الحراك امتداداً طبيعياً للتاريخ لا مجرد رد فعل على أزمات الحاضر