السودان وعلل الفشل في بناء الدولة (17)

  • بتاريخ : 28 يونيو، 2026 - 11:18 ص
  • الزيارات : 34
  • بقلم/م. مامون محمد الطيب عمر

    غيرت الأسس التي إعتمدها كتشنر قائد جيش الغزو البريطاني لإدارة البلد المحتل حياة السودانيين التقليدية و سبل كسبهم وسلوكهم العام ولو مؤقتا و خاصة لأهل الحواضر والقرى المستقرة ..

    قامت هذه الأسس لإدارة الدولة المحتلة على عدة مرتكزات أفصلها أدناه :

    1- النظام الإداري الحديث الذي قام على اللامركزية و توزيع السلطات بصفة هرمية منضبطة مع الإستعانة بإداريين متميزين و الإستفادة من الأطر المحلية فيما عرف بالإدارة الأهلية لتحقيق الفعالية وتقليل التكلفة .. فظهر تحت مظلة الدولة المستقرة مفهوم الوطن والإنتماء لرقعة جغرافية رويدا مزاحما للإنتماء القبلي والعشائري السائد والذي بدأ يخف تدريجيا خاصة في المدن والحواضر الكبيرة حيث بدأ قاطنيها التحلل بدرجات متفاوتة من عادات وانماط سلوك القرى والبادية الراسخة لبراح الحريات الشخصية والإبتعاد عن ظل العشيرة والقبيلة لروابط المهنة والعمل وجوار الحي وروابط وتطلعات الأسر الصغيرة فعاودت بذرة الإختلاط المتجاوز لتلك الحدود نشاطها وحيويتها في بناء مجتمعات جديدة ومختلفة بتلك الحواضر

    2- إرساء نظام قانوني وعدلي إستصحب عقائد وأعراف و تقاليد المجتمع السوداني عنوانه العدل بين الناس أمام القانون وبدأ نشر ثقافة تعامل جديدة بين السلطة الحاكمة والمواطنين تقوم على الثقة للإرتقاء بمستوى حياتهم من حيث توفير فرص العمل لكسب معاشهم و تنمية ثرواتهم وتأكيد مبدأ للتعامل بين الحاكم والمحكوم يقوم على الصراحة والصدق لا الكذب والتملق ممارسة عاشها الناس وتحققوا من ثمارها وهيبة دولة القانون فتقبلوها بالرضى ..
    (( تحضرني هنا قصة ذات مغزى عن أحد مزارعي الجزيرة الذي قام المفتش الزراعي بمعاقبته على تقصير في عمله الفلاحي بدفعه داخل جدول ماء الري .. أبو عشرين .. وإهانته فتجمهر أهله لدى مبنى مدير المديرية الإنجليزي لمدني إحتجاجا على الإهانة التي لحقت أحدهم فما كان من المدير ألا أن إحتفر حوضا بفناء المبنى وملاءه بالماء وإستدعي المفتش الزراعي وطلب من المزارع الإقتصاص منه بالمثل أمام الحضور ودفعه بالحوض فانتهى الأمر بعفو الشاكي وأهله نتيجة هذا الموقف ))

    3- تنشيط العمل التجاري داخليا بإحياء أسواق المدن والأسواق المحلية الأسبوعية بالقرى و الصادر خارجيا للمنتجات المحلية وإزدهار حياة كثير من السودانيين العاملين في تجارتي التجزئة و سلع التصدير والوارد فضلا عن الأجانب الذين كان لهم قصب السبق بخبراتهم ورؤوس أموالهم ..

    4- الاهتمام بالزراعة والري وتطويرها بإقامة سد جبل أولياء ثم لاحقا خزان سنار و بدء إنشاء المشاريع الزراعية والصناعية الكبرى كمشروع الجزيرة لزراعة القطن الذي أصبح سودانا مصغرا لإجتماع كافة شعوب السودان بإختلاف أطيافهم تحت مظلته فضلا عن حمله مسئولية الموازنة العامة للدولة السودانية حينها وحتى بعد الإستقلال بعقود وأحدث طفرات كبيرة في مستوى المعيشة و التداخل بين سكان مناطقه ونقل خبرات الزراعة والري الحديثة في عقود قليلة لمزارعيه ..

    5- تعمير المدن والحواضر والبلدات وفق التخطيط المدني الغربي الحديث ..

    6- إدخال وسائل النقل والإتصال الحديثة كالسكة حديد والنقل النهري و التلغراف مما يسر الإنتقال للعامة وللتجارة البينية والخارجية وأحدث تلاقحا بين ثقافات شعوب السودان المتباعدة وحقق تقربا أفضى لظهور معنى المواطنة والانتماء لوطن .. كما التباين بينهم ..

    7- التعليم بإنشاء المدارس وتأسيس كلية غردون التذكارية فكانت بداية الإنفتاح على كسب المدنية الإنسانية وتطويرا لمقدرات الذين حظوا بولوج أبواب هذه المدارس لتخرج أجيال قادت التغيير في المجتمع وقادت العمل الإجتماعي والإقتصادي والسياسي لاحقا كما فتحت الباب لتغير ضخم إستهدف نصف المجتمع بنشر مفهوم تعليم المرأة وإخراجها من قيود الجهل لمضارب العلوم والمعارف الإنسانية مساهمة في حركة المجتمع بكافة ضروبها وميادينها تغييرا أصاب الموروث تجاه المرأة في صميم بنيانه ..

    8- الاهتمام بالصحة العامة والخدمات الصحية بإنشاء المستشفيات والمراكز الصحية الصغيرة نقلت مستوى الصحة العامة والعلاجية لمستويات غير مسبوقة ورفعت من متوسط العمر للسكان و أسست لبناء فئات أقامت أعمدة الطبابة و الاهتمام بصحة المواليد والأمومة والعلاج الوقائي و الثقافة الصحية المعتمدة على مناهج العلم الحديث

    9- حظر و منع الاتجار بالبشر (تجارة الرق) مع مراعاة خصوصية العلاقة بين الأرقاء وسادتهم مالم تصل حد الإساءة .. واثر هذا المنع في السلوك الاجتماعي المترتب عليه وفي علاقات العمل والإنتاج .. وفي التحول الذي أحدثته هذه الخطوة ومنها بروز فكرة ومفهوم السودانوية والزنوجة مقابل العروبة والتوجه الشرق أوسطي الذي ساد بين غالب القبائل العربية و المستعربة ..ثنائية طبعت الصراع الذي مازال قائما حول الهوية والى اي كفة يكون ميلها ..

    10- إنشاء نظم قانونية لتسجيل الأراضي وفض المنازعات ونظم ضريبية بسيطة تراعي حالة المواطنين دون رهق

    وقفات عند بعض المحطات المهمة ومنها زيادة عدد السكان حيث إنخفض أبان عقدي حكم الدولة المهدية من ثمانية ملايين إلى ثلاثة ملايين فقط بسبب الحروب الداخلية والخارجية والمجاعات .. وتحقق ذلك بوصول تعداد السكان ليلة الإستقلال لما يقارب أحد عشرة مليونا ..

    وسائل التأثير الاعلامي على مرتكزات الوعي العام من مفاهيم عقدية دينية او ثقافية مجتمعية بإنشاء اذاعة أم درمان وبداية بثها للبرامج الموجهة و الترفيقية والتعليمة التي تستهدف كافة فئات و مجاميع السودانيين ونعلم مدى تأثير الاعلام على العامة ومساهمته في السياسة الناعمة بهدف السيطرة على المزاج العام وتوجيهه حيث يراد و القدرة على التحكم بحركة المجموعات والحشود

    مجمل هذه الأعمال أدت لتغيرات هيكلية في بنيان المجتمعات السودانية بصورة كبيرة على مدى عقود وأسهمت في إعادة تشكيل ملامح المجتمع وثقافته وتعامله مع محيطه كما نلحظ من أثار لتلك الحقب و أثرها على حياتنا الحالية فهل إستمر هذا الأثر بعد الإستقلال عن البريطانيين أم تلاشى بذهاب المؤثر .. ! ؟؟

    أواصل ..