اماني الأمين
“اخت الكلس”
في المشهد السوداني الراهن تتجلى حرب خفية تتجاوز حدود المدافع والرصاص لتتسلل عبر الاستثمارات المسمومة والصفقات غير المكتملة، حرب تتخذ من الاقتصاد والسيادة مدخلاً لتطويق رقبة السودان وإخضاعه لمصالح خارجية. ميناء أبوعمامة والفشقة ليس مجردأراضٍ أو مواقع جغرافية بل هما رمزان لصراع الإرادات بين دولة تسعى للحفاظ على سيادتها وبين أطماع إقليمية تريد أن تفرض سلطتها على البحر الأحمر ومقدرات السودان .
حينما أدركت الإمارات أن محاولاتها لتطويع القوات المسلحة السودانية لم تكتمل، اتجهت إلى دعم مليشيات الدعم السريع باعتبارها أداة أكثر مرونة لتنفيذ أجندتها، فكان الاستثمار في حميدتي كرجل أعمال يرتدي بدلة عسكرية، وشراء الذهب من جبل عامر، جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى خلق نفوذ اقتصادي وسياسي يضمن السيطرة على القرار السوداني .
القصر الذي تم اقتراحه لابن زايد واختير له موقع غابات السنط بالخرطوم لم يكن مجرد مشروع معماري، بل كان رمزاً لهيمنة سياسية واقتصادية أرادت أن تضع بصمتها في قلب العاصمة السودانية . وعندما اندلعت الحرب، تحولت الغابة إلى ضحية للقطع الجائر والتدمير الممنهج، إذ جرى التخلص من أشجارها العتيقة توطئة لإقامة ذلك القصر الذي يمثل حضوراً إماراتياً في قلب الخرطوم.
هذا الفعل لم يكن مجرد إزالة طبيعية، بل كان إعلاناً صريحاً عن رغبة في محو هوية بيئية وثقافية لصالح مشروع سياسي يكرس النفوذ الخارجي ويجعل من الخرطوم مسرحاً مفتوحاً لأطماع ابن زايد . إن تدمير غابات السنط، التي كانت تمثل إرثاً بيئياً وتاريخياً، يكشف أن الحرب لم تكن فقط على الأرض والذهب والموانئ، بل أيضاً على الرموز الوطنية التي تعكس هوية السودان وذاكرته الجمعية
هذه الخطوة لم تكن معزولة، بل جاءت ضمن سلسلة من التحركات التي تسعى إلى إحكام القبضة على السودان عبر المال والسلاح والذهب، لتتحول البلاد إلى ساحة نفوذ تخدم مصالح ابن زايد وتفتح أبواب البحر الأحمر أمام سلطاته .
التقارير الغربية التي تناولت هذا الملف لم تخفِ حقيقة الأطماع الإماراتية في موارد السودان، من الذهب إلى الأراضي الزراعية، ومن الموانئ إلى المواقع الاستراتيجية. كلها تصب في هدف واحد: خلق حكومة موالية لأبوظبي، حكومة تُدار من الخارج وتُساق وفق مصالح لا علاقة لها بمصلحة الشعب السوداني .إن الحرب الخفية على السودان ليست مجرد صراع داخلي، بل هي معركة سيادة وكرامة، معركة بين إرادة شعب يريد أن يحافظ على أرضه وموارده وبين أطماع خارجية تسعى إلى تحويل السودان إلى تابع اقتصادي وسياسي. هذه الحرب الناعمة، التي تتخفى وراء الاستثمارات والصفقات، أخطر من أي مواجهة عسكرية لأنها تستهدف البنية العميقة للدولة وتعمل على إعادة تشكيلها بما يخدم مصالح الآخرين .
السودان اليوم يقف أمام مفترق طرق، إما أن يواصل مقاومته لهذه الأطماع ويثبت أنه قادر على حماية سيادته، أو أن ينزلق إلى فخ الهيمنة الخارجية التي تتسلل عبر المال والذهب والمليشيات. وفي كل الأحوال، فإن التاريخ سيكتب أن هذه المرحلة كانت اختباراً حقيقياً لقدرة السودان والسودانيين وعلى الصمود أمام حرب خفية أرادت أن تبتلع موارده وتعيد رسم خريطته السياسية والاقتصادية.
أن ما يجري في السودان ليس مجرد أحداث متفرقة أو صراع داخلي عابر، بل هو مخطط متكامل يستهدف قلب الدولة السودانية ومواردها الاستراتيجية . الأطماع التي تحيط بالسودان من كل جانب، سواء عبر الذهب أو الموانئ أو الأراضي الزراعية، ليست سوى أدوات لفرض الهيمنة وإعادة تشكيل القرار الوطني بما يخدم مصالح خارجية. لكن السودان، بتاريخ نضاله الطويل، وبشعبه الذي خبر مرارة الاستعمار والمؤامرات، لن يقبل أن يُختزل في دور التابع أو أن يُساق إلى مصير مرسوم من وراء البحار .إنها لحظة فاصلة، إما أن ينهض السودان ليحمي سيادته وكرامته ويثبت للعالم أنه عصيّ على الانكسار، أو أن يُترك فريسة لمشاريع الهيمنة التي تتخفى وراء شعارات الاستثمار والتنمية. وما بين هذه الخيارات، يبقى صوت الشعب السوداني هو الفيصل، فهو وحده القادر على أن يقرر مصيره ويحمي أرضه ويصون موارده من أن تُنهب أوتُستباح.
السودان اليوم أمام امتحان تاريخي، امتحان سيادة ووجود، امتحان كرامة وحرية، امتحان يحدد إن كان سيظل وطناً شامخاً يكتب تاريخه بيده، أم ساحة مفتوحة لأطماع الآخرين. واليقين أن الشعوب التي تعرف طريقها لا تُهزم، وأن السودان الذي قاوم بالأمس سيقاوم اليوم وغداً، ليبقى وطناً حراً عصياً على الانكسار .









إرسال تعليق