بقلم / بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم
أكثر ما يقلقني ليس انفلات الأسعار في حد ذاته، بل مصادر الدخول التي أصبحت تغطي هذا الانفلات وتغذيه. ففي السابق كنا ندرس طلابنا أن دخل الفرد يتوزع بين الاستهلاك والادخار، أي أن الاستهلاك يمثل جزءا من الدخل، بينما يذهب الجزء المتبقي إلى الادخار والاستثمار. ثم جاءت مرحلة اختلت فيها هذه المعادلة، فأصبح الاستهلاك نفسه يعادل الدخل مضافا إليه العائد من المصادر غير المشروعة بمختلف مسمياتها. أما اليوم، وبحسب ما ألاحظه فقد أصبحت معادلة الاستهلاك أكثر تعقيدا وخطورة؛ إذ يبدو أن حجم الإنفاق يفوق كثيرا ما تتيحه الدخول الرسمية، ليعتمد على ثلاثة مصادر رئيسية: الدخل المتأتي من العمل، والعائدات غير المشروعة، والتحويلات المالية من السودانيين العاملين بالخارج ودول المهجر في مختلف دول العالم.
واللافت للنظر أن التحويلات الخارجية، وفقا لهذه الملاحظات التقديرية، ربما أصبحت تمثل النسبة الأكبر من مصادر تمويل الاستهلاك، تليها العائدات غير المشروعة، بينما لا يشكل الدخل الذي يتقاضاه الفرد من عمله سوى نسبة محدودة قد لا تتجاوز 20% من إجمالي الموارد التي تغذي الإنفاق الاستهلاكي، على تحسن تقدير.
إن صحت هذه الفرضية، فإن الأمر ينطوي على مخاطر اقتصادية واجتماعية بالغة، لأنه يعني أن الاقتصاد يتحرك بعيدا عن الدخول الحقيقية وأن أنماط الاستهلاك أصبحت تعتمد على مصادر غير مستدامة أو غير خاضعة للقياس الدقيق. لذلك، فإن الحاجة أصبحت ملحة لأن تبادر الجهات المختصة، وعلى رأسها مصلحة الإحصاء، بإجراء دراسة ميدانية ورقمية شاملة لتحديد مصادر تمويل الاستهلاك بصورة دقيقة، قبل التفكير في وضع الحلول والسياسات الاقتصادية المناسبة. فالتشخيص السليم للمشكلة هو الخطوة الأولى نحو معالجتها، أما اتخاذ القرارات في ظل غياب البيانات الدقيقة فقد يؤدي إلى وصفات لا تعالج جوهر الأزمة.
لا تكمن الخطورة في تلقي الأسر للتحويلات والإعانات من الأهل والمغتربين في الخارج، فهذه التحويلات كثيرا ما تمثل طوق نجاة في أوقات الأزمات والحروب والانكماش الاقتصادي، وتسهم في تخفيف المعاناة المعيشية وتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية. غير أن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول هذه التحويلات من مورد مساعد ومؤقت إلى المصدر الرئيسي والدائم لتمويل الاستهلاك داخل السودان. فعندما يصبح الإنفاق الاستهلاكي منفصلاً عن الدخل المتولد من العمل والإنتاج المحلي، تنشأ حالة من الاختلال بين الاقتصاد الحقيقي وأنماط الاستهلاك. إذ يواصل الطلب على السلع والخدمات ارتفاعه دون أن يقابله توسع مماثل في الإنتاج، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار بصورة مستمرة. كما أن الاعتماد المفرط على التحويلات الخارجية يجعل الاقتصاد الوطني أكثر هشاشة أمام المتغيرات الخارجية. فالتحويلات ترتبط بأوضاع المغتربين الاقتصادية في دول المهجر، وبسياسات تلك الدول المتعلقة بالعمل والهجرة. وأي تراجع مفاجئ في هذه التدفقات قد ينعكس مباشرة على مستوى معيشة ملايين الأسر، ويتحول إلى أزمة اجتماعية واقتصادية داخل البلاد. ومن الآثار الأخرى لهذه الظاهرة اتساع الفوارق الاجتماعية بين الأسر التي تتلقى دعماً منتظماً من الخارج وتلك التي تعتمد فقط على دخولها المحلية المحدودة، مما يؤدي إلى تفاوت واضح في القدرة الشرائية ومستويات المعيشة، ويزيد من الشعور بعدم العدالة الاقتصادية.
كذلك فإن استمرار النشاط الاستهلاكي المعتمد على التحويلات قد يعطي انطباعا مضللا عن قوة الاقتصاد وحيوية الأسواق، بينما تكون مستويات الإنتاج وفرص العمل والدخول المحلية في حالة ضعف وتراجع. وهذا التشوه في قراءة الواقع الاقتصادي قد يقود إلى سياسات عامة لا تعالج جذور المشكلة الحقيقية. وفي نهاية المطاف، فإن أخطر ما في الأمر هو تحول التحويلات الخارجية من شبكة أمان اجتماعي مؤقتة إلى ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني. فالدول لا تستطيع بناء تنمية مستدامة على موارد لا تتحكم فيها، بل تحتاج إلى اقتصاد يقوم على الإنتاج والعمل والاستثمار المحلي. ولذلك، فإن المطلوب ليس الحد من التحويلات أو التقليل من أهميتها، وإنما توظيف جزء أكبر منها في الاستثمار المنتج وخلق فرص العمل، حتى تصبح رافداً للتنمية لا مجرد وسيلة لتمويل الاستهلاك.











إرسال تعليق