بقلم الأستاذ/الزبير الماحي الطيب
إنا لله وإنا إليه راجعون..اللهم أرحمها وأغفر لها واسكنها فسيح جناتك.اللهم أربط على قلوبنا وقلوب أهلها وأحبائها وأرحم موتانا وموتى المسلمين وأرحمنا إذا ما صرنا إلى القبور.
الحديث عن الأم زينب النبراسي رحمة الله عليها يعود بنا لتاريخ طفولتنا والذي يمثل جزء من تاريخ حياتها حيث كنا أطفالاً من آل الطيب الماحي مرتبطين بدكان وديوان ود الطيب وهي المدرسة التي تشكلت فيه كثير من أدوار حياتنا. رغم أني لا أجيد الكتابة ولكن أرتأيت عكس شعوري بسرديات فترة عشتها حتى لو كانت الصياغة باهتة وغير موجزة لتوثيق فترة من حياتنا تم ربطها بوفاة من رحلت عنا خاتمة لصفحة من صفحات ذلك الزمن الجميل.
الأم زينب النبراسي إرتبطت حياتها بنموذج عائلتين أو مدرستين هما آل النبراسي وآل الطيب الماحي حيث فيهما كثير من السمات المتشابهه حسب رؤيتي.
*آل الطيب الماحي*
العم محمد الطيب الماحي هو رب هذه العائلة راجل كريم سباق لعمل الخير حكيم يساعدك في الخفاء ولا يحرجك والدكان و الديوان و هو مركزنا الإجتماعي ومدرستنا التي إستفدنا منها تربوياً قبل أن يكون لنا عوناً مادياً متى كانت الحاجة ماسة. وقد ترددنا على بيتي ود الطيب بيت عمتي آمنة أحمد الماحي وبيت زينب النبراسي الله يرحمهما جمعياً وذلك من خلال العمل بالدكان و خدمة توصيل الأغراض لهذين البيتين أو إحضار الطعام للدكان وغيرهما إلى أن كبرنا وتخرجنا من هذه المدرسة العريقة.
نموذج أو مدرسة ود الطيب مبنية على التعاون ولم الشمل والتربية السليمة وعدم الإحتياج للغير وحتى يتأكد من ذلك لابد من ظهورك في الدكان أو الديوان حتى لو الآباء غير موجودين بالقرية ويحرص على رؤية العائلة مع بعضها ليطمئن علينا وخصوصاً أيام الجمع رمضان بأكمله والعيدين وحتى أن ديوان محمود صالح المجاور يتم تعطيله وينضم أولاد صالح للديوان ليكتمل الشمل الكبير وتصبح دائرة الأهل في الحي مكتملة متجانسة ومتضمنة كل الأسر صغيرنا وكبيرنا.
ود الطيب ألله يرحمه مع كرمه يحب النظام والنظافة والأوتكيت، كما أن له علاقات إجتماعية متميزة تربطه بأهله آل الماحي والأحباب بالعيكورة وأيضاً متميزة بينه وبين الأساتذة والمفتشين والممرضين والعمال وحتى خفراء ترع الري، إضافة للأعيان خارج القرية من ودبلال والشرفة ودلوت والقريقريب.. وإكرام أخته آمنة الطيب الماحيي وحاجة أم سلمة وأسرهم القادمين على فترات متباعدة من السعودية إكراماً متميزاً لافتاً للتعرف بأسرة غابت عنا ونسمع بها وهي من الأحداث الراسخة في ذاكرتنا. الدكان يلبي الإحتياجات اليومية لكل المترددين عليه من داخل وخارج القرية ويساعده في ذلك أن الدكان هو سوبر ماركت بالمفهوم الحديث وبه خط تلفوني أرضي منذ 1962 وله صندوق بريده الخاص، ولهذه الأسباب كان يمثل مركز إلتقاء تجاري متميز. أراد عمي أن يكون هذا التطور التجاري مقتصراً على العيكورة فقط رافضاً إقتراحات النزوح لواد مدني كما أراده أصدقاءه أولاد الخواض لينضم لركبهم
وفي هذه السانحة لنا أن نذكر أن هذا المركز التجاري عمل به كثير من الأهل دائمين ومؤقتين ومتعاونين أمثال محمود صالح ومحمود الطيب وإبراهيم الطيب (ود الكد) وإبراهيم أحمد منصور وعبدالله صالح وابراهيم محمد الحاج عباس ومحمد الماحي وعمر عبدالله وبقيتنا الصغار من آل الطيب الماحي ، كما عمل والدي بفرن ود الطيب وبالتالي اوجد بيئة إقتصادية إشتراكية تضم القريب والبعيد هذا بجانب جلبه عمالة خارج القرية لتوسع التجارة في الاخشاب والكيروسين والجازولين امثال ابراهيم ود العيص (ابزوتو) من دلوت وإنقلو وبحر وإبراهيم ود ابو التيمان والدته من غرب السودان.
ود الطيب كان محباً للتعليم وله غرفته الخاصة بالقراءة ويشجع التعليم ويحب النجاح ويكره التقاعس والإهمال، ومن تشجيعه للتعليم كان نصيبي شخصياً عندما رضي عن أدائي حدثين مهمين محفورين بذاكرتي إحدهما سفرة مميزة للخرطوم لزيارة عوض أبوسير في السوق العربي ولمنزله بالثورة وهي أول زيارة في حياتي للخرطوم، والأخرى بعد إكتمال تعليمي الابتدائي ورحيلي خارج القرية للدراسة بالمرحلة المتوسطة، وقد توج هذا الوداع بإصحابي معه لواد مدني للفسحة وشراء ساعة مميزة من مكرم مانسي جوفيال سوداء كتبت عليها “أم درمان” باللون الذهبي. لم ننقطع عن الدكان والديوان حيث نعود في إجازات المدارس للدوام الجزئيي بدلاً عن الدوام الكامل للمساعدة خاصة أيام الأعياد وهكذا تتكرر الأدوار بعدي لمن هم أصغر مني. إن مثل هذا التشجيع تكرر مع غيري من هم أكبر مني سناً أو أصغر مني سناً، وقد كان عمي مثالاً يحتذى به ولايريد شكراً أو معروفاً أو إشهاراً إنما يعطيك الأحساس بان لك دور.
إلا أن الهدية الكبرى لنا جميعاً هي السلوك الأخلاقي الذي تعلمناه والمواظبة على الصلاة في الدكان أو الديوان.
زينب النبراسي كإحدى زوجات عمي عاشت معه في هذه البيئة المعطاة المميزة وبالتالي من المتطلبات مواكبة سخاء وكرم ود الطيب وتلبية إحتياجات ضيوف الدكان المتكررة لعامة الأهل والأحباب ولضيوفه المتميزين من داخل وخارج القرية والتي تتطلب سرعة تلبية إكرام ضيوفه في أي وقت متى ما زاروه.
*آل النبراسي*
النبراسي يعرفه جيداً من هم أكبر مني سناً وقد سألت عنه وقد عرف بالهدوء والتهذيب والكرم، وزينب واحدة من كريماته ترعرعت في هذه البيئة المحافظة، وهي إمراة كريمة وحنينة جداً جداً ونشطة ودائماً مبتسمة وإجتماعية ومحبة لأهلها ونسابتها وجيرانها ومحبة للشريف الصديق الهندي ولآل عباس ود الحاج. تجدها دائماً بين أخواتها وزوجة أخيها عبد الرحيم (حدباي) والوالدة بخوت وبقية أسرهم في تناغم أدب وإندماج عجيب تخدمهم ويخدمونها متى إحتاجت لهم في المناسبات أو لتلبية إحتياجات ديوان ود الطيب إذا كانت هناك ضرورة ملحة لدعمها ومساعدتها كأنهم يريدون التأكد من رضى عمي ود الطيب عنها.. ومن خلال زينب وفي الصغر تعرفنا على آل النبراسي وأسرهم ومن خلالها عرفت بخوت والتاية وفاطمة والتومة وآمنة وفي بيتها رأيت من يتفانون في خدمتها .. المهيرة وإخلاص ورحمة وأولاد الكي وأولاد حدباي وغيرهم من بقية الأسرة والتي ما زال بيننا الإحترام المتبادل متى ما قابلت أحد منهم.
الحق يقال وأنا صغير ومتردد على بيت آل النبراسي ما سمعت صوت عالي أو صوت نشاز أو مشاجرة أو إختلاف بينهم وحتى لا تستطيع تمييز الأخوات من النسيبة من إندماجهم وتكاتفهم، بالإضافة لإحترامهم الشديد لأخيهم حدباي ويتعاملون مع بعض في منتهى التهذيب و الإحترام. هذه الأحداث أشاهدها وأنا متفرجاً لحظات إنتظار تجهيز الوجبات لحملها راجعاً للدكان .
زينب عاشت بين هاتين المدرستين كرم وضيافة وصبر وإحترام من عمي وآل الطيب الماحي مزجته بإحترام وتعاون آل النبراسي وأسرهم لبعضهم البعض. إنعكس هذا التعاون الأسري وحبهم لها جلياً عندما توفي عمي محمد الطيب حيث تسابقوا في إحتضانها يتوددون لإكرامها والكل يتمنى أن تكون معه وقد زرتها في بيوت أهلها المختلفة .. مع فاطمة ومع رحمة ومع إخلاص ومع التومة وأخيراً مع علي ونبوية …عاشت هذه الفترات متنقلة بينهما شامخة معززة مكرمة ومحترمة.
تفرقنا نحن في البلدان ومناحي الحياة وعند حضورنا نقوم بزيارتها ومتابعة أخبارها من حين لآخر لا مجاملة فقط لها أو لعمي وإنما لواجب ودين مستحق لها كأم متعمقاً في شعورنا الداخلي نحاول القيام به من فترة لأخرى لأنها كانت أم ثانية، عشنا معها وترددنا عليها في طفولتنا مهتمة بنا سائلة عن أحوالنا إلى أن كبرنا وقد عشنا معها مثل ما عشنا مع أمهاتنا حباً ورضاءاً، ولعل الله يرضى عنا ويسامحنا إذا لكم يكن تواصلنا معها مثل تواصل وإحتضان آل النبراسي لها.
بقيام آل النبراسي دون فرز بكامل واجبهم نحو زينب حباً ووفاءاً وتقديراً لها، إنعكست لي نفس الصورة الراسخة التي كنت أراها وأنا صغير في بيتهم الكبير وذلك التجمع الأسري والتعاون المفرط بينهما وحب وإحترام البعض وهي نفس البذرة التي زرعتها زينب النبراسي في شبابها وقطفتها لاحقاً في كبرها.
في كل زيارة لها وحتى زيارتي الأخيرة لها في 2023 قبل الحرب بشهرين وبصحبة علي الأمين جزاءه الله عنا كل خير و أطال عمره، ما زالت تتكرر أمامي نفس الصورة وهي الرعاية الكاملة التي تحظى بها بين أهلها وهي مبتسمة مرتاحة بينهم، شاهدت بعيني ولو طلبت أي غرض كلهم آذان صاغية لتلبية إحتياجاهاتها، حتى أنني دائماً أقول لها تحمدي الله يازينب الكل حولك ودي نعمة كبيرة وإن شاء الله ربنا يحقق لنا مثلها في هذا الزمن الصعب.
وختاماً بوفاة زينب النبراسي إنطوت صفحة من صفحات الزمن الجميل وقد إنطوت صفحات كل أعمامي الأشقاء الكبار وزوجاتهم ووالدي ووالدتي ولهم جميعاً الرحمة والمغفرة وأطال الله أعمار ما تبقى من أعمامي وعمتي الوحيدة، وهذا لايعني أن علاقتنا بآل النبراسي وأسرهم مرتبطة بوفاة زينب النبراسي والتي رعتها ودعمتها وقوتها طوال هذه السنين منذ شبابها وإلى أن رحلت عنا، وإنما هي علاقة أزلية بين أسرتين كريمتين متحابتين متواصلتين يجمعهما الكرم والتعاون والترابط الأسري ونسأل ألله الإستمرار والمواصلة في هذه العلاقة المميزة إن شاء الله.
ربنا يرحمهم ويغفر لهم جمعياً ويجعلهم في الفردوس الأعلى في هذه الأيام المباركة من هجر الرسول صلى الله عليه وسلم.
*الزبير الماحي الطيب – 16 يونيو 2026*











إرسال تعليق