بيع الأراضي الحكومية..حين يتحول رجال الدولة إلى سماسرة 

  • بتاريخ : 15 يونيو، 2026 - 5:28 م
  • الزيارات : 16
  • نبض للوطن || أحمد يوسف التاي

    (1)

    لاينافس ولاية سنار في بيع الأراضي حاليًا إلا ولاية سنار نفسها، فقد أدمنت الولاية هذه العادة السيئة واستعصى عليها “الإقلاع” عن كارثة الإدمان هذه، خاصة وهي تضع عينها على أراضي مدينة الدندر صاحبة الصوت المبحوح الذي لايحسه أحد، فما نكاد نسمع ب( دلالة) حتى نصحو على أختها دون ان نعلم ماذا جرى في الأولى..!!.

    هذه الحالة المستعصية من “الإدمان” لم تظهر أعراضها على الولاية في عهد الوالي الحالي اللواء الزبير فقط، بل لازمتها هذه العادة السيئة منذ عهد الوالي الأسبق أحمد عباس الذي استن سنة بيع الأراضي الحكومية في “سنار” دون منازع، والذي لم يكن ينافسه في ذلك الوقت إلا والي الخرطوم الأسبق الفريق عبد الرحيم محمد حسين، الذي أقرّ يومًا بأن الولاية لم تعد تمتلك أراضٍ للبيع فقد باعت كل شيء، ولم تستبق شيئًا..!!!.

    (2)

    إن لجوء بعض الحكومات إلى بيع الأراضي والميادين العامة يكشف عن عقلية بائسة لاعلاقة لها بمنهج تفكير رجل الدولة، كما أن اللجو إلى بيع الأراضي ينطوي في الغالب على شبهة فساد حيث ينشط بعض الوسطاء وكبار السماسرة، وأصحاب المصالح الخاصة سواءً أكانوا رسميين أو شعبيين في اتجاه البيع وتزيينه والترويج له مقابل “مصلحة” خاصة معينة تطغى على المصلحة العامة الكبرى، الأمر الذي يفقد الدولة موارد استراتيجية وسيادية عظيمة، بإعتبار أن الأرض الحكومية ليست مجرد عقارات، أو قطعة أرض وحسب بل هي صناديق

    إدخار قومية عظيمة الفائدة الإقتصادية بما تشكله من كنوز مُدّخرة لمقابلة مستقبل الأجيال إذا ما نضبت باطن الأرض من الموارد مثل النفط والذهب والمعادن والنفائس الأخرى التي تمثل موارد غير متجددة، بعكس “المتجددة” مثل الطاقة الشمسية والمائية والنباتية والهوائية، والأراضي بهذا المفهوم تشكل ملاذات آمنة لدعم الاقتصاد وتأمين مستقبل الأجيال إذا أمسكت الأرض وعقم رحمها.

    (3)

    مَثَلُ لجوء الحكومات إلى بيع الأراضي لتغطية عجز مالي عابر ، كمَثَلِ شخص ذو عيال صغار ورث من أبويه أراضٍ واسعة، فطفق يبيع منها كل مرة لمقابلة المصاريف اليومية، والحاجات والنزوات العابرة حتى قضى عليها ولمّا هلك تفاجأ أهله أن أباهم لم يترك لهم شبرًا، وهذا في تقديري سلوك يمثل قمة التعس وسوء التدبير والتفكير، والأمر يبدو أقبح عندما يرتبط بتفكير رجال الدولة، فهو في هذه الحالة جريمة بشعة تستوجب المساءلة والمحاكمة.

    (4)

    إن فلسفة الإمتناع عن بيع الأراضي الحكومية والإبقاء عليها للأجيال القادمة تنبع من فرضية أن الأجيال القادمة ربما تتناقص حظوظها من الموارد غير المتجددة، وبالتالي فإن الأراضي ستصبح مورد أساسي يعتمد عليه يسهم في بناء الإقتصاد وقت الحاجة..كما أن بيع الأراضي المتاحة الآن يؤدي إلى تقليل العرض، وخلق الندرة المصطنعة ورفع أسعار العقارات، كما أن بيع الأراضي اليوم، سيدفع الحكومات غداً وهي مرغمة إلى “شراء” الأراضي بأسعار باهظة لتقديم الخدمات العامة، مثل بناء المدارس والمستشفيات ونحوها.

    هذا فضلا عن تركيز هذه الأراضي في يد فئات محددة تمتلك رؤوس الأموال، مما يخلق فجوة طبقية تبدو آثارها كارثية.

    (5)

    رجال الدولة الحقيقيون لايلجأون إلى بيع الأراضي للسماسرة والوسطاء واصحاب النفوذ المالي لا تحت التربيزة ولا فوق التربيزة ، لايضعون اعينهم على “الكوميشن ” مهما كان الأمر بل يلجأون إلى الاستثمار عوضا عن “البيع”، وذلك عبر ابتكار أنظمة إدارية حديثة للعقارات والاراضي الحكومية سواء عبر الإيجار طويل الأمد، أو الدخول في شراكات مدروسة ومخطط لها بدقة مع القطاع الخاص المقتدر ماليًا، وصناديق الاستثمار ذات الكفاءة العالية، ونحو ذلك، وليس الشركات التي تدخل المزادات بالوساطات ورأس مال وهمي وهي لاتملك معشار قيمة العطاء..

    (6)

    ثمة ملاحظة جديرة بالذكر وهي أن اللجوء إلى بيع الأراضي الحكومية، والعقارات كثيرًا ما يرتبط بالأنظمة غير الديمقراطية، واوقات الأزمات وغياب الرقابة والقانون وانعدام

    الشفافية والمحاسبة، حيث تنعدم أجهزة الحكم الرشيد ويستشري الفساد…اللهم هذا قسمي فيما املك..

    نبضة اخيرة:

    ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.