أديس..حوار بلا وطن (4)
*قراءة في تحوّل التنافس* *السياسي إلى صراع صفري*
د. حيدر معتصم مدني
“إعداد وإشراف: مركز الخرطوم للحوار”
السياسة في أصلها ليست حربًا.
وليست معركة لإلغاء الآخر.
وليست وسيلة لاحتكار الوطن أو مصادرة المجتمع.
بل هي ـ في معناها الطبيعي ـ آلية لتنظيم الاختلاف داخل إطار وطني مشترك.
ولهذا فإن وجود التنافس السياسي في المجتمعات الطبيعية لا يعني بالضرورة وجود عداوة وجودية بين القوى المختلفة، لأن الجميع يتحرك داخل:
دولة متفق عليها،
ومرجعية وطنية مشتركة،
وثوابت تعلو فوق التنافس الحزبي.
لكن حين تغيب هذه المرجعية، أو تنهار الحدود بين الدولة والسياسة والسلطة، يتحول التنافس تدريجيًا إلى صراع وجودي مفتوح.
وهنا تبدأ السياسة في فقدان معناها الطبيعي.
لأن الفرق كبير بين:
خصم سياسي…
وعدو وجودي.
فالخصم السياسي يمكن التنافس معه،
والتداول معه،
والاختلاف معه،
بل وحتى التحالف معه لاحقًا.
أما العدو الوجودي فلا يُنظر إليه باعتباره منافسًا داخل الوطن، وإنما باعتباره تهديدًا للوطن نفسه.
وهنا تتحول السياسة من:
إدارة للاختلاف…
إلى مشروع لإلغاء الآخر.
وهذا بالضبط ما حدث ـ بدرجات متفاوتة ـ في التجربة السودانية.
فبسبب غياب التأسيس الوطني المكتمل، وغياب المرجعية العليا المشتركة، أصبحت معظم القوى السياسية لا ترى نفسها مجرد أحزاب تتنافس على إدارة الدولة، وإنما مشاريع خلاص وطني كاملة.
أي أن كل جماعة سياسية أصبحت تتعامل مع نفسها باعتبارها:
التجسيد الحقيقي للوطن،
والحارس الوحيد للهوية،
وصاحبة الحق الأخلاقي والتاريخي في قيادة الدولة.
وفي المقابل أصبح الخصم السياسي يُقدَّم دائمًا باعتباره:
خطرًا على الهوية،
أو تهديدًا للدولة،
أو مشروعًا لتدمير الوطن.
وهنا ينهار مفهوم السياسة نفسه.
لأن السياسة لا يمكن أن تعمل بصورة طبيعية داخل بيئة يعتبر فيها كل طرف أن وجود الطرف الآخر يمثل تهديدًا وجوديًا له.
ولهذا فإن أخطر ما يُنتجه غياب الدولة الوطنية المستقرة هو:
تحويل التنافس السياسي إلى صراع صفري.
أي صراع لا يقبل:
التعايش،
ولا التداول،
ولا الشراكة،
ولا الاعتراف المتبادل.
وفي هذا النوع من الصراعات تصبح الغاية ليست:
الفوز السياسي،
بل إلغاء الخصم نفسه.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تتحول الخلافات السياسية في السودان بسرعة إلى:
استقطاب اجتماعي،
أو تعبئة هوياتية،
أو خطاب تخوين،
أو صراعات مسلحة.
لأن المجال السياسي يتحرك أصلًا في غياب أرضية وطنية مستقرة تنظم الاختلاف.
ولهذا لا يصبح السؤال:
من يملك البرنامج الأفضل؟
بل يصبح:
من يملك حق البقاء أصلًا؟
وهنا تدخل المجتمعات في أخطر مراحل الانهيار السياسي والنفسي.
لأن السياسة حين تتحول إلى صراع وجودي فإنها تبدأ في ابتلاع المجتمع نفسه.
فتصبح:
القبيلة أداة تعبئة،
والدين وسيلة استقطاب،
والهوية سلاحًا،
والإعلام منصة حرب،
والتاريخ مادة لإعادة إنتاج الكراهية.
وفي هذه اللحظة لا يعود الوطن إطارًا جامعًا، وإنما يتحول إلى ساحة صراع مفتوح بين مشاريع متناقضة.
ولذلك فإن المجتمعات المستقرة تحرص دائمًا على وجود مساحة فوق الصراع السياسي.
مساحة لا تُخضع للمزايدات الحزبية.
مثل:
وحدة الدولة،
والسيادة الوطنية،
والجيش الوطني،
والهوية الجامعة،
والأمن القومي،
والمؤسسات السيادية.
لأن هذه الثوابت هي التي تمنع السياسة من الانزلاق إلى حرب أهلية مستمرة.
لكن في السودان جرى تسييس كل شيء تقريبًا.
حتى القضايا التي يفترض أن تكون فوق التنافس، أصبحت جزءًا من معركة الاستقطاب السياسي.
وهنا فقدت الدولة قدرتها على لعب دور “الإطار الجامع”، وتحولت السياسة إلى ساحة مفتوحة لإعادة تعريف الوطن في كل مرحلة من مراحل الصراع.
ولذلك فإن الأزمة السودانية ليست فقط أزمة حكم…
بل أزمة عميقة في طريقة فهم الاختلاف نفسه.
لأن الاختلاف الطبيعي داخل الدولة لا يعني العداء.
ولا يعني سقوط الوطن.
ولا يعني أن أحد الأطراف يجب أن يُمحى حتى يعيش الطرف الآخر.
لكن حين تغيب المرجعية الوطنية المشتركة، تصبح السياسة أقرب إلى:
معركة بقاء.
ولهذا فإن بناء الدولة الحديثة لا يبدأ فقط بإنشاء المؤسسات، وإنما يبدأ أيضًا ببناء ثقافة سياسية جديدة.
ثقافة تؤمن بأن:
الوطن أكبر من الأحزاب،
وأن الدولة ليست ملكًا لجماعة،
وأن الاختلاف لا يعني الخيانة،
وأن السياسة ليست حربًا مقدسة لإلغاء الآخرين.
لأن المجتمعات التي تتحول فيها السياسة إلى صراع وجودي، لا تنتج استقرارًا…
بل تنتج دورات متكررة من الانقسام والانهيار والعنف.
أما الدولة الحقيقية…
فهي التي تجعل التنافس ممكنًا دون أن يتحول إلى حرب على وجود الوطن نفسه.











إرسال تعليق