بقلم/ الطيب مضوي شيقوق المحامي
أثار الخبر المتداول بشأن الطعن الإداري المرفوع أمام المحكمة العليا للطعن في صحة التوقيع المنسوب لرئيس مجلس السيادة على القرار رقم (49/2025) موجة واسعة من التساؤلات والتعليقات، ليس فقط بسبب الموقع الدستوري الرفيع للمطعون ضده، وإنما لما يثيره الموضوع من قضايا تتصل بسلامة الوثائق الرسمية ومشروعية القرارات الصادرة باسم الدولة.
فالخبر، كما ورد، يتحدث عن وكيل نيابة تقدم بطعن إداري طالباً إجراء مضاهاة فنية للتوقيع محل النزاع، استناداً إلى اعتقاده بوجود اختلاف بينه وبين توقيعات أخرى منسوبة لرئيس مجلس السيادة. ومهما بلغت خطورة هذه المزاعم، فإن الحقيقة القانونية الأساسية تظل ثابتة: الطعن ليس حكماً، والادعاء ليس دليلاً، والاتهام لا يرقى إلى مرتبة الحقيقة إلا بعد أن يخضع للفحص القضائي والفني المستقل.
وفي تقديري، فإن أهمية القضية لا تكمن في شخص الفريق أول عبد الفتاح البرهان بقدر ما تكمن في الأثر المؤسسي الذي قد يترتب عليها. فالقرارات الرسمية تمثل المرجعية القانونية والإدارية التي يستند إليها العمل التنفيذي في الدولة، ومنها تنبثق الإجراءات والتدابير والآثار القانونية اللاحقة. ومن ثم فإن أي قدح في سلامة هذه القرارات أو التشكيك في صحة صدورها من الجهة المختصة لا يقف أثره عند حدود الوثيقة نفسها، بل يمتد إلى ما قد يتمخض عنها من إجراءات تنفيذية، وقد يثير تساؤلات حول مشروعية ما بُني عليها من أعمال وقرارات لاحقة. لذلك فإن حسم مثل هذه المسائل بشفافية ووضوح لا يهدف فقط إلى كشف الحقيقة، بل أيضاً إلى حماية استقرار المعاملات الإدارية وصون الثقة في مؤسسات الدولة.
ولعل الملاحظة الجديرة بالتوقف عندها أن بعض التغطيات الإعلامية سارعت إلى استخدام عبارات من قبيل “زلزال قانوني” و”كارثة تاريخية” و”صندوق باندورا”، وهي تعبيرات قد تصلح للعناوين المثيرة أكثر مما تصلح للوصف القانوني الرصين. فالقضية ما زالت في مرحلة الإجراءات الأولية، ولم تصدر فيها نتائج فنية أو أحكام قضائية يمكن الاستناد إليها في بناء استنتاجات نهائية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول في أوقات الأزمات ليس وجود الطعون أو النزاعات القانونية، وإنما غياب الثقة في المؤسسات القادرة على حسمها. ومن هذه الزاوية، فإن القضية تمثل اختباراً مهماً لاستقلال القضاء وكفاءة الأجهزة الفنية المختصة، وقدرتها على الوصول إلى الحقيقة بعيداً عن الضغوط السياسية والإعلامية.
فإذا أثبتت المضاهاة الفنية صحة التوقيع، فسيكون ذلك تأكيداً لسلامة الإجراءات ودحضاً للشكوك التي أثيرت. أما إذا انتهت التحقيقات إلى نتيجة مغايرة، فإن الأمر سيستدعي بلا شك فتح تحقيقات أوسع لكشف الملابسات وتحديد المسؤوليات ومحاسبة كل من يثبت تورطه وفقاً للقانون.
وفي الحالتين، فإن الرابح الحقيقي ينبغي أن يكون دولة القانون، لا هذا الطرف أو ذاك. فالمؤسسات القوية لا تخشى المراجعة، والأنظمة الواثقة من نفسها لا تنزعج من الرقابة القضائية، بل تعتبرها إحدى ضمانات الشرعية وحسن الإدارة.
لقد عانى السودان طويلاً من تغليب السياسة على القانون، ومن إطلاق الأحكام قبل اكتمال الوقائع. ولذلك فإن الحكمة تقتضي اليوم أن نمنح القضاء فرصته الكاملة، وأن ننتظر ما تسفر عنه الإجراءات الرسمية، بعيداً عن ضجيج المنصات الإلكترونية واستقطاب المواقف السياسية.
ففي نهاية المطاف، لا تُبنى الأوطان بالشائعات، ولا تُدار بالمخاوف، وإنما تُبنى بالحقائق وتُدار بسيادة القانون. وما بين ضجيج الاتهام وصمت القضاء، تبقى الحقيقة وحدها هي الحكم العادل الذي ينتظره الجميع.











إرسال تعليق