بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي
قرر صديقي أن يكثر من الصمت، وربما ساعده على ذلك شيء من النعاس الذي انتابنا ونحن في طريق عودتنا بالعربة من مشوار ليلي طويل. ولم يكن أمامنا سوى الطريق الممتد أمامنا والاستماع إلى أغنيات الزمن الجميل. اختار صديقي الفنان الراحل محمود عبد العزيز، فانطلقت من جهاز التسجيل تلك الأغنية الخالدة التي تقول:
“طريقك دائماً فارشو ورد وطريقي دايماً فارشو شوك…”
ومع جمال اللحن وروعة الأداء، كنت أتأمل الطريق السريع المعبد والمضاء على امتداده، والسيارات تنساب في هدوء وانسياب، دون ازدحام أو توقف أو نقاط عبور تعطل حركة المسافرين.عندها قفز إلى ذهني سؤال ظل يتردد كثيراً خلال الفترة الماضية: لماذا لا نستفيد في السودان من التطور التقني الذي أحدث نقلة نوعية في إدارة الطرق وتحصيل الرسوم في كثير من دول العالم؟
في الآونة الأخيرة كثر الحديث عن مشكلات وتعدد طرق تحصيل الرسوم في المعابر والطرق الداخلية والخارجية. وفي ظل هذه التحديات الاقتصادية والإدارية التي تواجه بلادنا، تم تكوين لجنة لمراجعة التحصيل غير القانوني برئاسة وزير العدل، أصدرت عدداً من القرارات والتوصيات الهادفة إلى ضبط وتنظيم عمليات التحصيل.
وفي الوقت نفسه،أصبح التحول الرقمي أحد أهم أدوات تطوير الأداء الحكومي وتحسين جودة الخدمات العامة، وقد تعزز هذا التوجه بإنشاء وزارة متخصصة هي وزارة التحول الرقمي والاتصالات،الأمر الذي يعكس إدراك الدولة لأهمية التكنولوجيا في معالجة كثير من القضايا الاقتصادية والإدارية.
ويُعد تحصيل رسوم الطرق القومية من أكثر المجالات التي يمكن أن تستفيد من هذا التحول، عبر الانتقال من نظام التحصيل اليدوي التقليدي إلى البوابات الذكية للتحصيل الإلكتروني، وهي تجربة أثبتت نجاحها في العديد من الدول.
لقد ارتبط التحصيل اليدوي على مدى سنوات طويلة بجملة من المشكلات، من بينها بطء حركة المرور، وارتفاع التكلفة التشغيلية، والأخطاء البشرية، واحتمالات التسرب المالي، فضلاً عن الآثار السالبة لتعدد نقاط التحصيل على حركة النقل والتجارة، وما يترتب على ذلك من زيادة في تكلفة نقل السلع والبضائع بين الولايات.
أما البوابات الذكية للتحصيل الإلكتروني فتعتمد على تقنيات حديثة تشمل البطاقات المصرفية والمحافظ الإلكترونية وأنظمة التعرف الآلي على المركبات، بما يتيح تحصيل الرسوم بصورة سريعة وسلسة دون الحاجة إلى التوقف لفترات طويلة. كما توفر بيانات دقيقة وفورية عن حركة المرور والإيرادات، الأمر الذي يساعد في التخطيط السليم واتخاذ القرار على أسس علمية.
ومن أهم مزايا هذه المنظومة أنها تعزز الشفافية وتحمي المال العام، حيث يتم تسجيل العمليات إلكترونياً وتوريد الإيرادات مباشرة إلى الحسابات المعتمدة، مما يقلل من فرص التلاعب أو الفاقد المالي. كما تسهم في خفض النفقات التشغيلية المرتبطة بالتحصيل اليدوي، بما في ذلك تكاليف العمالة وإدارة النقد والمستندات الورقية.
وفي السودان تكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في ظل الجهود المبذولة لإزالة نقاط التحصيل غير القانونية وتوحيد الرسوم وفق أسس قانونية وإدارية واضحة. ويمكن للتحول التدريجي نحو التحصيل الإلكتروني أن يسهم في تسهيل حركة النقل بين الولايات، وتحسين بيئة الاستثمار، وخفض تكلفة التجارة الداخلية، ودعم جهود الدولة في بناء اقتصاد رقمي حديث.
ولعل من أنجح النماذج التي يمكن الاستفادة منها قيام شراكة ذكية بين وزارة التحول الرقمي والاتصالات والجهاز المصرفي لتنفيذ وتمويل هذه المشروعات. فمثل هذه المشاريع تتميز بسرعة استرداد رأس المال وارتفاع عوائدها، كما يمكن أن تسهم بصورة مباشرة في تحسين البنية التحتية للطرق وتوفير موارد مستدامة لصيانتها وتطويرها.
وتشير التجارب الإقليمية إلى حجم العوائد الممكنة من هذه الأنظمة. فقد حققت أنظمة التعرفة المرورية الإلكترونية في بعض الدول إيرادات ضخمة، مما يؤكد أن التحصيل الإلكتروني ليس مجرد وسيلة إدارية حديثة،بل مشروع اقتصادي واستثماري قادر على تعظيم الإيرادات وتحسين كفاءة إدارة الموارد.
غير أن نجاح هذه المنظومة يتطلب بنية اتصالات قوية، وتكاملاً فعالاً مع الأنظمة المالية والمصرفية، وأطراً قانونية وتنظيمية واضحة، إلى جانب بناء القدرات الفنية اللازمة للتشغيل والصيانة والمتابعة.
وأنا أواصل رحلتي تلك الليلة، وأستمع إلى كلمات الأغنية التي تتحدث عن الطريق، أدركت أن الطرق ليست مجرد مسارات تربط بين المدن، بل شرايين للحياة والاقتصاد والتنمية. وكلما أحسنا إدارتها واستخدمنا التقنيات الحديثة في تشغيلها وتمويلها، اقتربنا أكثر من بناء دولة حديثة قادرة على توظيف مواردها بكفاءة وشفافية.
لذلك فإن البوابات الذكية للتحصيل الإلكتروني تمثل فرصة حقيقية للسودان لتعظيم الإيرادات وتحديث إدارة الطرق القومية، وهي خطوة تستحق أن تجد طريقها إلى التنفيذ في أقرب وقت ممكن .











إرسال تعليق