نيالا ليست بديلاً عن السودان.. وقراءة الحرب بعين واحدة خطر على الوطن

  • بتاريخ : 10 يونيو، 2026 - 5:54 م
  • الزيارات : 14
  • بقلم/ د. سعاد فقيري

    تابعت ما كتبه بعض المحللين حول زيارة قائد قوات الدعم السريع المتمردة إلى نيالا، ومحاولاتهم تقديم الزيارة باعتبارها تحولاً سياسياً واستراتيجياً يؤسس لشرعية جديدة أو مركز حكم بديل في السودان.
    والحقيقة أن أخطر ما في مثل هذه التحليلات أنها قد تتحول، بقصد أو بغير قصد، إلى عملية تلميع سياسي لمشروع عسكري حمل السلاح ضد الدولة، وأسهم في تدمير المدن وتشريد الملايين وإدخال السودان في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه الحديث.
    إن الحديث عن “بناء شرعية سياسية” في ظل واقع الحرب الراهن يطرح سؤالاً جوهرياً: من أين تُستمد الشرعية؟ هل تُبنى الشرعية من فوهة البندقية أم من إرادة الشعب؟ وهل يمكن أن تصبح السيطرة العسكرية المؤقتة على مدينة أو إقليم أساساً لشرعية سياسية دائمة؟
    لقد أثبت التاريخ السوداني والأفريقي أن السيطرة على الأرض لا تعني امتلاك الشرعية، وأن أي مشروع يقوم على فرض الأمر الواقع بقوة السلاح ينتهي إلى مزيد من الانقسام والدمار.
    أما تصوير نيالا باعتبارها عاصمة فعلية أو مركزاً بديلاً للدولة السودانية فهو طرح يثير القلق أكثر مما يقدم حلولاً. فالسودان ليس مجموعة جغرافيات متنازعة، ولا يمكن اختزال وطن عمره مئات السنين في مناطق نفوذ عسكرية مؤقتة. مثل هذا الخطاب يفتح الباب أمام ترسيخ الانقسام النفسي والسياسي بين أبناء الوطن الواحد.
    والأغرب أن بعض الأقلام تتحدث عن رسائل موجهة للمجتمع الدولي أكثر مما تتحدث عن رسائل موجهة للشعب السوداني نفسه. وكأن المطلوب إقناع الخارج بواقع سياسي جديد، بينما الملايين من السودانيين ينتظرون نهاية الحرب وعودة الأمن والخدمات والاستقرار.
    إن الشعب السوداني اليوم لا يبحث عن عواصم موازية، ولا عن حكومات موازية، ولا عن شرعيات متنافسة، بل يبحث عن دولة واحدة وجيش واحد ومؤسسات وطنية واحدة تحفظ وحدة البلاد وتصون كرامة المواطنين.
    ثم إن أي تحليل سياسي مسؤول يجب أن يبدأ من حقيقة واضحة وهي أن الحرب لم تكن خيار الشعب السوداني، وأن المدنيين هم الضحية الأولى لها. لذلك فإن واجب المثقف والباحث والأكاديمي ليس توصيف مشاريع التقسيم وكأنها حقائق مستقبلية، بل المساهمة في تعزيز خطاب الوحدة الوطنية والحفاظ على الدولة ومنع انهيارها.
    لسنا ضد التحليل العلمي ولا ضد قراءة الوقائع على الأرض، ولكننا ضد أن يتحول التحليل إلى ترويج غير مباشر لواقع فرضته الحرب والسلاح. فالكلمات في زمن الأزمات ليست حيادية دائماً، وبعض العبارات قد تصبح وقوداً إضافياً للنار المشتعلة.
    ويبقى السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابته من كل كاتب ومحلل: أين تقف مع شعب السودان؟ مع وحدة الوطن أم مع تكريس مناطق النفوذ؟ مع الدولة الوطنية أم مع مشاريع الأمر الواقع؟
    إن السودان أكبر من نيالا وأكبر من الخرطوم وأكبر من أي فصيل أو قائد. وسيبقى الوطن باقياً، بينما ترحل الحروب ويذهب صناعها وتبقى مسؤولية الكلمة شاهدة على أصحابها أمام التاريخ.
    ومن زاوية نقدية، يمكن القول إن الكاتب ركّز على تفسير الزيارة باعتبارها خطوة نحو بناء شرعية سياسية، لكنه لم يتوقف بالقدر الكافي عند الكلفة الإنسانية للحرب، ولا عند رفض غالبية السودانيين لفكرة تعدد مراكز السلطة. لذلك بدا المقال أقرب إلى توصيف مشروع الدعم السريع السياسي أكثر من كونه دفاعاً عن وحدة الدولة السودانية أو تطلعات شعبها.