تحليل اقتصادي متخصص | يونيو 2026
بقلم : عمر سيد أحمد
باحث في الاقتصاد السياسي السوداني | خبير مصرفي ومالي وتمويل مستقل
أزمة البنوك السودانية تحليل معمّق في القطاع المصرفي السوداني — المقارنات الإقليمية — جذور الأزمة — مسارات الإصلاح
يونيو 2026
في مايو 2026، وقبيل عيد الأضحى المبارك، تعطلت تطبيقات بنكك وفوري وأوكاش في وقت واحد، فأصاب الشلل التجاري معظم المدن السودانية خارج مناطق الحرب. لم يكن ذلك حادثة تقنية عارضة، بل كان كشفًا صارخًا لأزمة بنيوية متراكمة على مدى عقود، تتقاطع فيها ثلاثة إخفاقات هيكلية كبرى: نظام مصرفي هش لم يلتزم يومًا بالمعايير الدولية، واقتصاد موازٍ ضخم يسيطر على النشاط الاقتصادي الحقيقي، وكتلة نقدية ضائعة خارج أي رقابة أو دورة إنتاجية.
هذا المقال لا يتناول الأزمة كحدث طارئ نجم عن الحرب، بل يضعها في سياقها الهيكلي الحقيقي، ويقارن الواقع المصرفي السوداني بنظرائه الإقليميين، ثم يقترح مسارات إصلاح قابلة للتطبيق.
نظام مصرفي على هامش الاقتصاد
يضم النظام المصرفي السوداني 37 بنكًا تهيمن عليه أربعة بنوك حكومية. وقبيل اندلاع الحرب في أبريل 2023، بلغ إجمالي أصول القطاع نحو 7 مليارات دولار، ما يعادل 26% من الناتج المحلي الإجمالي. رقم يبدو متواضعًا مقارنة بأي معيار إقليمي، لكن الأرقام الأكثر إيلامًا تكمن في التفاصيل.
إجمالي رؤوس الأموال والاحتياطيات المصرفية لا يتجاوز 420 مليون دولار على مستوى الـ37 بنكًا، بمتوسط 11 مليون دولار للبنك الواحد. هذا الرقم يعادل حجم بنك متوسط في دولة إقليمية، لا حجم نظام مصرفي لبلد يبلغ عدد سكانه 45 مليون نسمة ومساحته مليون كيلومتر مربع.
“البنوك السودانية دخلت الحرب وهي هشّة هيكليًا — الحرب لم تضعفها بل وجدتها ضعيفة.”
عدم الامتثال لمعايير بازل — الجذر المهمل
تشترط اتفاقية بازل III أن تحتفظ البنوك بنسبة كفاية رأس مال لا تقل عن 8% من أصولها المرجّحة بأوزان المخاطر كحد أدنى مطلق. وقد حدد بنك السودان المركزي هذه النسبة بـ12% التزامًا بمقررات لجنة بازل الدولية، غير أن معظم البنوك التجارية السودانية لم تلتزم بهذا المعيار.
ثلاثة أسباب هيكلية تفسّر ذلك: انخفاض قيمة الجنيه المتواصل الذي يآكل رؤوس الأموال بالقيمة الحقيقية، والتسييس التاريخي لقرارات البنك المركزي وإضعاف دوره الرقابي، وتشتت القطاع على 37 بنكًا تتنافس على سوق ضيق.
مؤشر كاشف:
متوسط رأسمال البنك السوداني: 11 مليون دولار.
متوسط رأسمال البنك الإقليمي المتوسط: 200 – 500 مليون دولار.
الفجوة تتحدث عن نفسها.
السودان والإقليم — هوة لا تُخفى بالأرقام
لفهم عمق الأزمة المصرفية السودانية لا بد من وضعها في سياقها الإقليمي. المقارنة التالية تكشف عن هوة واسعة تفصل السودان عن جيرانه، هوة لم تنشأ بسبب الحرب بل سبقتها بعقود.
تتصدر جنوب أفريقيا المشهد الإقليمي بأصول تتجاوز 600 مليار دولار وشمول مالي يبلغ 90%، أي أن تسعة من كل عشرة بالغين يمتلكون حسابات مصرفية.
مصر في المركز الثاني بأصول تتجاوز 400 مليار دولار ونسبة أصول إلى الناتج المحلي تبلغ نحو 90%، وشمول مالي 74.8%.
أما كينيا، فعلى الرغم من صغر اقتصادها النسبي، فقد بلغت أصولها المصرفية 60 مليار دولار مع شمول مالي 80%، وهي قفزة تحققت خلال عقد واحد فقط.
نيجيريا بدورها تمتلك أصولًا مصرفية تقارب 250 مليار دولار مع شمول مالي يبلغ 74%.
في المقابل يقف السودان وحيدًا في ذيل القائمة:
أصول لا تتجاوز 7 مليارات دولار.
تمثل 26% فقط من الناتج المحلي.
شمول مالي أقل من 15%.
وهو ما يصنفه ضمن حالات الأزمة الحادة مقارنة بدول المنطقة.
ما تكشفه هذه الأرقام يتجاوز مجرد المقارنة الكمية. فمصر تمتلك أصولًا تتجاوز 400 مليار دولار بنسبة 90% من ناتجها المحلي، وكينيا تبلغ 60 مليار دولار بنسبة 55%، بينما لا يتجاوز إجمالي أصول السودان 7 مليارات دولار بنسبة 26% فقط.
أما الشمول المالي، وهو المؤشر الأكثر دلالة على عمق ارتباط المواطن بالنظام المصرفي، فإن السودان يسجل أقل من 15% من البالغين، في حين يبلغ متوسط أفريقيا جنوب الصحراء 58%، وكينيا 80%، ومصر 74%.
كما أن تمويل البنوك للقطاع الخاص لا يتجاوز 9.5% من الناتج المحلي مقابل 18.8% كمتوسط إقليمي.
الكتلة النقدية الضائعة — الفيل في الغرفة
ثمة حقيقة صادمة يتجاهلها كثير من التحليلات: 95% من الكتلة النقدية كانت خارج الجهاز المصرفي السوداني حتى قبل اندلاع الحرب، وليس بسببها. هذا الرقم ليس استثناءً طارئًا، بل هو الوضع الطبيعي لقطاع مصرفي لم يكن يومًا في قلب الاقتصاد الحقيقي.
السبب الجذري هو هيمنة الاقتصاد الموازي الذي يتحكم في أكثر من 85% من النشاط الاقتصادي الكلي وفق تقديرات محلية متعددة، مقارنة بـ35.5% وفق مؤسسة World Economics في أوقات ما قبل الحرب، وهو بحد ذاته أعلى من متوسط الدول منخفضة الدخل عالميًا البالغ 42.4%.
“كل جنيه يتداول خارج المنظومة الرسمية هو جنيه لا يُودع في بنك ولا يُستخدم لتمويل مشروع — الاقتصاد الموازي يُخصي السياسة النقدية.”
ما يعنيه هذا عمليًا أن أدوات البنك المركزي، مثل أسعار الفائدة ونسب الاحتياطي وعمليات السوق المفتوح، تعمل في فراغ حين يكون 95% من النقد خارج النظام. السياسة النقدية تصبح حبرًا على ورق.
الحرب المندلعة منذ أبريل 2023 لم تُنشئ هذه القطيعة، بل وجدتها جاهزة وعمّقتها. وقد أفضت في 2026 إلى ظاهرة نادرة في تاريخ الأزمات المالية الأفريقية: انقسام نقدي فعلي داخل البلد الواحد، مع ظهور كتلة نقدية موازية في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.
تشخيص الأزمة — طبقات متشابكة
أزمة السيولة السودانية ليست أحادية البعد. ثمة طبقات متشابكة تتقاطع فيها عوامل موروثة وضربات ميدانية مباشرة وإخفاقات رقمية متراكمة.
الضربات المباشرة للحرب
تعرض أكثر من 100 فرع مصرفي للنهب والتدمير، وانتهبت أكثر من 38% من الأموال في مصارف الخرطوم.
خرج البنك المركزي من مقره الرئيسي، وتعذر تحصيل الديون من الشركات المتضررة، وانهار الجنيه بأكثر من 50% في الأشهر الأولى وحدها، ليتجاوز الدولار عتبة 1000 جنيه عام 2024.
الهشاشة الهيكلية القديمة
ضعف رسملة البنوك وعدم الامتثال لبازل، وانخفاض الشمول المالي بشكل مزمن، والاعتماد التاريخي على الكاش في معاملات يومية ضخمة، كل ذلك سبق الحرب بعقود.
القطاع المصرفي لم يكن يومًا محركًا للنمو، بل كان في أحسن الأحوال وسيطًا هامشيًا.
إشكاليات الانتقال الرقمي غير المكتمل
المفارقة أن السودان شهد في السنوات التي سبقت الحرب نموًا في الخدمات المصرفية الرقمية، لكنه كان نموًا مبنيًا على بنية تحتية هشّة ومركزية.
حين تعطلت تطبيقات بنكك وفوري قبيل عيد الأضحى 2026، كشف ذلك أن الاعتماد الكامل على تطبيقات الإنترنت دون بديل يعمل بلا اتصال يمثل ثغرة هيكلية بالغة الخطورة.
في مارس 2025 نجحت تجربة تحويل الأموال عبر USSD والرسائل النصية القصيرة مع شركة زين في الولايات الشرقية، وهو دليل على أن البديل ممكن وجاهز.
مسارات الإصلاح — خارطة طريق واقعية
أولًا: رفع رؤوس الأموال — نقطة الانطلاق الإلزامية
يُلزم كل بنك برفع رأسماله إلى الحد الأدنى المحدد من بنك السودان المركزي خلال مدة زمنية صارمة تتراوح بين سنة وسنتين.
هذا الإلزام يكشف فورًا البنوك القادرة على الاستمرار من تلك العاجزة، ويضع كل بنك أمام مسؤوليته دون مهلة مفتوحة.
ثانيًا: إعادة الهيكلة — الدمج اختياريًا ثم إجباريًا
من لم يستطع رفع رأسماله خلال المدة المحددة يواجه خيارين لا ثالث لهما:
الدمج الاختياري مع بنك آخر بشروط يتفق عليها الطرفان.
الدمج الإجباري الذي يفرضه البنك المركزي.
أما البنوك التي استُنزف رأسمالها كليًا فتُوضع تحت إدارة خاصة مؤقتة أو تُصفّى.
الهدف هو تحويل الـ37 بنكًا إلى مجموعة تتراوح بين 10 و12 مؤسسة مصرفية قوية.
السودان لديه تجربة تاريخية في هذا المسار؛ فقد تم دمج بنك جوبا التجاري وبنك أم درمان عام 1975، وتكررت عمليات الدمج في أعوام 1982 و1993 و1998 و2008.
هذا الإرث يثبت أن الدمج ممكن ومجرّب سودانيًا.
ثالثًا: استقلالية البنك المركزي — العمود الفقري
التسييس التاريخي لقرارات البنك المركزي كان أحد الأسباب الجذرية لعدم الامتثال لمعايير بازل وانهيار الرقابة المصرفية.
استقلالية البنك المركزي ليست مطلبًا تقنيًا، بل ضمانة جوهرية لأن تكون أدوات السياسة النقدية ذات أثر حقيقي.
فلا إصلاح مصرفي ممكن تحت وصاية سياسية.
USSD — الحل الذي يبدأ من حيث الناس
حين نتحدث عن الشمول المالي في سياق سوداني يرفض فيه أكثر من 85% من السكان الانخراط في النظام الرسمي، فإن الحل لا يمكن أن يكون استدعاء الناس إلى البنوك، بل الذهاب إليهم حيث هم.
تقنية USSD (Unstructured Supplementary Service Data) هي بروتوكول اتصال مدمج في شبكات الهاتف المحمول منذ الجيل الثاني (2G)، تعمل عبر رسائل نصية قصيرة على أي هاتف بسيط دون إنترنت ودون انقطاع للكهرباء.
يقوم المستخدم بطلب رمز قصير مثل:
*XXX#
فتظهر له قائمة فورية للتحويل والدفع والاستعلام.
وهذا بالضبط ما يجعلها متفوقة على تطبيقات الهواتف الذكية في كل معيار يهم المواطن السوداني:
لا تشترط هاتفًا ذكيًا لا يمتلكه غالبية سكان الريف.
لا تحتاج إلى إنترنت تتوقف التطبيقات بدونه.
لا تتأثر بانقطاع التيار الكهربائي الذي يشل التطبيقات.
تكلفتها رسوم رمزية مقارنة بحزم البيانات.
تصل إلى الجميع في الريف والحضر.
بينما تستهدف التطبيقات الحضر والمتعلمين بدرجة أكبر.
باختصار، صُممت تقنية USSD للواقع السوداني كأنها صُنعت خصيصًا له.
التعامل مع الكاش — شبكة الوكلاء
تُحرّك تقنية USSD الأموال رقميًا، لكن السحب النقدي الفعلي يتم عبر شبكة وكلاء منتشرة في كل مكان.
فكل بقالة أو صيدلية أو محل اتصالات يمكن أن يصبح وكيلًا يحتفظ بمبلغ نقدي وبرصيد رقمي مقابله.
يقوم الوكيل بـ:
استقبال النقد وتحويله رقميًا.
صرف النقد مقابل التحويل الرقمي.
الحصول على عمولة صغيرة مقابل كل معاملة.
السودان يمتلك شبكة تجزئة واسعة حتى في أصغر القرى، وهذه هي البنية التحتية الجاهزة التي لا تحتاج سوى إلى تنظيم وتفعيل.
درس كينيا وأفريقيا — الممكن ليس نظريًا
أطلقت كينيا خدمة M-Pesa عام 2007، فارتفع الشمول المالي من 27% إلى 83% خلال عقد واحد فقط عبر شبكة تضم 40 ألف وكيل.
وأصبحت التجربة نموذجًا عالميًا يُدرّس في أكبر الجامعات ومراكز البحث.
السنغال أطلقت Wave عام 2018، فخفضت تكاليف التحويل بنسبة 70% وتجاوز الشمول المالي فيها 50% خلال سنوات قليلة.
تنزانيا كررت التجربة الكينية منذ عام 2008، فرفعت الشمول المالي من 11% إلى 65% مع التركيز على المناطق الريفية النائية.
وفي جنوب آسيا أطلقت بنغلاديش خدمة bKash عام 2011 فوصلت إلى 50 مليون مستخدم.
وفي جنوب آسيا، أطلقت بنغلاديش خدمة bKash عام 2011 فوصلت إلى 50 مليون مستخدم مستفيدة من تحويلات العمال المهاجرين، لتصبح أكبر منصة مدفوعات رقمية في البلاد.
الدرس المشترك في كل هذه التجارب واحد: ابدأ بالأفقر في الريف، وابدأ بلا إنترنت، وستتبعهم بقية قطاعات الاقتصاد.
السودان أمام نفس الفرصة، وتجربة زين في الولايات الشرقية عام 2025 أثبتت أن البيئة التقنية مهيأة، والمطلوب فقط هو القرار.
مقترح EBS — منصة وطنية مشتركة
السؤال العملي: من يشغل منصة USSD الوطنية في السودان؟
الإجابة الأمثل هي شركة خدمات البنوك الإلكترونية EBS، المملوكة أصلًا من البنوك السودانية وبنك السودان المركزي.
البنية القانونية والملكية قائمة بالفعل، ولا حاجة لإنشاء كيان جديد.
تقوم EBS بإبرام اتفاقية مع شركة اتصالات لتشغيل منصة USSD موحدة برمز قصير واحد يخدم عملاء جميع البنوك الـ37.
العائد يعود للبنوك وبنك السودان المركزي مباشرة.
التكلفة التقديرية لا تتجاوز 3 إلى 5 ملايين دولار للبنية الأولية، أي أقل من 150 ألف دولار للبنك الواحد.
“شرط النجاح الوحيد: تحويل EBS من كيان بيروقراطي إلى شركة تقنية تُدار بمعايير الأداء لا بمعايير الانتماء.”
الحوكمة هي المفتاح:
مجلس إدارة مستقل بصلاحيات حقيقية، وإدارة تنفيذية محترفة بعقود أداء مرتبطة بمؤشرات قابلة للقياس مثل عدد المستخدمين، وحجم المعاملات، ومعدل انتشار الوكلاء.
المالكون يحددون الاستراتيجية ويراقبون النتائج، بينما تتولى الإدارة التشغيل دون تدخل يومي.
الخلاصة — السودان أمام فرصة تاريخية
ما تعيشه البنوك السودانية اليوم ليس مجرد أزمة سيولة عابرة، بل هو كشف مؤلم لعقود من التأخر التنموي في القطاع المالي.
الشمول المالي أقل من 15%، وأكثر من 95% من العملة خارج البنوك، واقتصاد موازٍ يقدر بأكثر من 85% من النشاط الاقتصادي الحقيقي.
هذه الأرقام لا تعكس أزمة طارئة، بل فشلًا هيكليًا متراكمًا.
غير أن المأساة تحمل في طياتها بذور الإصلاح.
خارطة الطريق واضحة:
رفع رؤوس الأموال أولًا.
ثم الدمج الإجباري للبنوك غير القادرة على الاستمرار.
وبنك مركزي مستقل يطبق معايير بازل دون وصاية سياسية.
ومنصة USSD وطنية عبر EBS المطورة تذهب إلى الناس حيث هم.
نقطة الانطلاق الحقيقية تبقى بناء ثقة لم تتأسس أصلًا، لا استعادة ثقة مفقودة.
والشرط الجامع لكل ذلك يبقى واحدًا لا تنازل عنه:
إيقاف الحرب.
إيقاف الحرب أولًا.
إيقاف الحرب.
المصادر والمراجع:
بنك السودان المركزي — التقارير السنوية 2021–2026.
البنك الدولي — مؤشر Findex للشمول المالي.
World Economics.
GSMA Mobile Money Report.
صندوق النقد الدولي.
CGAP (المجموعة الاستشارية لمساعدة الفقراء).
مداميك الاقتصادي.
سودان تربيون.
Atra Network.
Harvard Business Review (M-Pesa Case Study).











إرسال تعليق