بقلم: م م الامام عبداللطيف الامام
الحروب لا تقاس بعمرها الزمني فقط. هناك حروب طويلة تنتهي بلحظة حسم تفرض واقعاً جديداً، وهناك حروب أخرى تنزلق إلى مسار أخطر، حيث يفقد القتال معناه كأداة لتحقيق هدف محدد، ويتحول إلى بيئة إستنزاف مفتوحة تأكل الدولة والمجتمع والإقتصاد معاً.
بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع القتال في السودان، تبدو الصورة أقرب إلى النمط الثاني. المؤشرات تقول إن منطق الاستنزاف بدأ يفرض نفسه إلى جانب رهانات الحسم، وإن المعركة لم تعد تدور فقط في الميدان، بل في بنية الدولة وقدرة المجتمع على البقاء.
• *من الحسم إلى الاستنزاف*
الفرق بين الحربين ليس في شدة القتال أو طوله. حرب الحسم تستهدف إنهاء حالة الحرب وفرض واقع سياسي أو أمني جديد. أما حرب الاستنزاف فتقوم على إطالة الصراع وإدامة كلفته، بحيث يصبح إنهاك الخصم وتعطيل التعافي جزءاً من المعركة نفسها. الهدف هنا ليس الإنتصار الكامل، بل منع الإستقرار، وإبقاء الدولة تحت ضغط دائم يستنزف مواردها ويشل قرارها.
هذا التحول يفسر لماذا تجاوزت الحرب في السودان حدود الإشتباك العسكري التقليدي. اليوم تمتد آثارها إلى المجال الإجتماعي والإقتصادي والخدمي والسيادي. المعركة لم تعد حول السيطرة على موقع عسكري، بل حول قدرة الدولة نفسها على العمل والإستمرار.
إستنزاف المجتمع قبل الجبهات.
سنوات القتال الطويلة لا تستهلك المقاتلين وحدهم. تتآكل شبكات الحياة الطبيعية، تتسع دوائر النزوح واللجوء التي تجاوزت الملايين، تتعرض العلاقات الإجتماعية لضغوط قاسية، وتنشأ أجيال جديدة في بيئة يطغى عليها الإضطراب وإنعدام اليقين.
• *الإرهاق المجتمعي هو أحد أخطر نتائج الحروب الممتدة*. إستمرارى القتال يعيد تشكيل المزاج العام وأنماط التفكير والسلوك، ويخلق إعتياداً تدريجياً على الاستثناء والعنف والهشاشة. وعندما يصبح الخراب مألوفاً، يصبح التعافي مؤجلاً.
• *الوجه الخفي: اقتصاد الحرب*
الخسارة الإقتصادية للحرب لا تقف عند تراجع الإنتاج أو تعطيل الأسواق. الأخطر هو إعادة توجيه الموارد من التنمية والخدمات إلى مقتضيات البقاء وإدارة الأزمة. السودان دفع كلفة باهظة: تعطل قطاعات الإنتاج، تراجع النشاط التجاري والاستثماري، إضطراب سلاسل الإمداد الداخلية، إنهيار جزئي في التعليم والصحة، إستنزاف الموارد العامة، وإتساع دوائر الفقر والبطالة.
البنية التحتية تدفع ثمناً مضاعفاً. الكهرباء والمياه والطرق والجسور والمنشآت العامة ليست أصولاً قابلة للإصلاح السريع. هي العصب الحيوي للدولة وشرط أساسي لتعافيها. تدميرها يرفع كلفة إعادة الإعمار ويؤخر إستعادة النشاط الإقتصادي ويبقي المجتمع لفترة أطول داخل دائرة الهشاشة والإعتماد على المساعدات.
حين تصبح الحرب مصلحة
وهنا يظهر مفهوم إقتصاد الحرب. الحروب الطويلة تخلق بيئات اقتصادية موازية تتداخل فيها التجارة غير النظامية والتهريب ووسطاء السلاح وشبكات التمويل والمكاسب السياسية المرتبطة بإدامة النزاع. عندما تتشابك هذه المصالح مع إستمرار القتال، يصبح إنهاء الحرب أكثر تعقيداً، لأن الصراع يتحول من مواجهة بين أطراف متقاتلة إلى منظومة مصالح يصعب تفكيكها.
• *زمن الحرب الذي تضيفه الإمدادات*
الحروب لا تستمر بالإرادة المجردة أو الخطاب السياسي وحده. إستمرار سلاسل الإمداد بأشكالها المختلفة ظل عاملاً مؤثراً في إطالة أمد الحرب السودانية. كل تدفق جديد من السلاح أو التمويل أو الدعم اللوجستي أو الغطاء السياسي لا يضيف قدرة قتالية فقط، بل يضيف زمناً جديداً للحرب. هذا الزمن الإضافي يؤجل لحظة الحسم ويجعل الإستنزاف جزءاً من المعادلة.
الحروب المعاصرة نادراً ما تبقى محلية بالكامل. تتقاطع فيها المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية للدول والقوى المختلفة. لا يعني ذلك أن كل الفاعلينةمنتكج الخارجيين يسعون بوعي إلى إستمرار الحرب، لكن تضارب المصالح وإختلاف تقديرات الحل قد يقود عملياً إلى إطالة أمد الصراع وتعقيد فرص إنهائه.
• *الخطر الحقيقي*
أخطر ما في منطق الاستنزاف أنه لا يستنزف طرفاً واحداً بالضرورة، بل قد يستنزف الدولة والمجتمع معاً. الحرب التي لا تتجه نحو حسم أو سلام قابل للحياة تتحول مع الوقت إلى نزيف مفتوح. تتراجع فيه قدرات الدولة، وتزداد كلفة التعافي، ويصبح المستقبل نفسه أكثر هشاشة.
الميدان لا يحتكر كتابة النتائج النهائية للحروب. بعض آثار الصراع تسري في جسد الدولة حتى بعد تراجع القتال أو تغير خطوط السيطرة. هناك حروب تبلغ نهاياتها العسكرية بينما يبقى الاستنزاف حاضراً في الاقتصاد والمجتمع والمؤسسات. وهناك دول تتجاوز لحظة الخطر المباشر لكنها تخرج مثقلة بخسائر تجعل التعافي نفسه معركة أخرى تمتد لسنوات.
لهذا، السؤال الذي يجب أن يتصدر النقاش الآن ليس من يتقدم ميدانياً، بل: هل نسمح للحرب أن تعيد صياغة السودان وفق منطقها؟ الاستمرار في بيئة الاستنزاف لا يعني فقط مزيداً من القتال، بل يعني إعادة تشكيل العقول والحسابات بحيث يصبح استمرار الحرب في وعي بعض الفاعلين أقل كلفة من استحقاقات توقفها.
وحماية ما تبقى من بنية الدولة والمجتمع يجب أن تسبق أي حسابات ميدانية، لأن التعافي بعد الاستنزاف أصعب وأطول من الحسم في المعركة.











إرسال تعليق