نبض للوطن || أحمد يوسف التاي
(1)
اطلعتُ على الشروط والمطلوبات الجديدة التي ابتدعتها وزارة الإعلام، لتسجيل المواقع الإخبارية الإلكترونية والحصول على تصاريح لمزاولة المهنة وموافقتها على استمرار المواقع في أداء مهامها.
الشروط والمعلومات التي تطلبها الوزارة، ومجلس الصحافة من أصحاب المواقع الإلكترونية في تقديري، هي محاولة لفرض الهيمنة الكاملة على المواقع والتحكم فيها بصورة تتجاوز الرقابة إلى دخول الموقع والتحكم فيه من الداخل، على نحو يجعل هذا “الرقيب الجديد” هو المالك الحقيقي للموقع، المُطّلِع على أدق تفاصيله وأسراره، وحساباته، وإيراداته، المتحكم في شفراته الخاصة مثل “الدومين”، ونحوه، وفي ذلك انتهاك صارخ لخصوصية الموقع، ونوع من الرقابة القبلية.
(2)
في تقديري أن الإستمارة التي صممتها وزارة الإعلام ومجلس الصحافة للحصول على موافقتهما ومنح التصاريح، هي خطوة متأخرة جدًا في التسلط والتضييق على حرية الصحافة، خاصة في التشديد على : (عدم نشر أي خبر او تقرير او مقال أو أي قالب من قوالب العمل الصحافي في أي موقع قبل الحصول على موافقة الوزارة والمجلس)..!!.
ومن يخالف ذلك يُحسم بالقانون..!!.. وأي قانون؟! قانون جرائم المعلوماتية الذي فصلته عقليات أمنية لاتقبل من حرية الصحافة إلا القدر الذي يرسخ للأنظمة الشمولية ، ولم يُذكر قانون الصحافة والمطبوعات إلا لَمَمَا..!!..
ما أقبلت عليه وزارة الإعلام في عهد “الصحافي الإعيسر” لم يحدث في عهود أعتى الدكتاتوريات والعهود الشمولية والأنظمة القابضة، حيث تراءت لي العقلية الأمنية التي صممت هذه الإستمارة حاضرة في كل تفاصيلها .. لكني أبشرك أخي “الصحافي” الوزير خالد الإعيسر أن هذا التضييق لن يقبله زملاؤك الصحافيين، ولن يستكينوا له، ولن يدوم بإذن الله، كما لن يدوم لك هذا المنصب..
هذه الشروط، والمعايير لممارسة الموقع وظيفته، لم اجد فيها ما يطوِّر العمل الإعلامي ويرتقي بالمهنة، بل وسائل للكبت والتضييق، وإلا فأصحاب المواقع معروفون واسماؤهم مدونة بمواقعهم وملفاتهم محفوظة عندكم، فامنعوا “الدخيل” على المهنة، إذا كان ذاك هو الهدف، وهيئوا المناخ لأصحابها المتخصصين من حملة القيد الصحافي والخبرات المتراكمة، فإما إنكم تعرفونهم جيدا، أو إنكم لاتعرفونهم أصلًا لأنكم طارئون عليهم..ربما..
(3)
لقد ظلت الصحافة السودانية على مدى قرن من الزمان تقاوم صلف الانظمة الدكتاتورية، وتكافح من أجل ترسيخ مبدأ حرية الصحافة، فعانت ماعانت منذ عهد الإستعمار ومرورًا بالأنظمة القمعية التي استولت على السلطة بعد الإستقلال، وما بين الاغتيالات والإعتقالات والتنكيل والسجون رسمت الصحافة السودانية طريقًا واضح المعالم لحرية الصحافة ومازالت تهتف وبقوة: صحافة حرة أو لا صحافة..
وفي عهد نظام البشير واجهت الصحافة السودانية المستقلة ظروفًا قاسية، فكانت المصادرات من داخل المطابع، بالجملة، وفي ليلة واحدة تمت مصادرة 14 صحيفة من المطابع ، وكذلك الإغلاق، وملاحقة الأقلام الحرة، وإيقافها من الكتابة والتضييق على الصحافيين، والمحاكمات والعقوبات المزدوجة في جهاز الأمن ، ومجلس الصحافة، والمحاكم، ولجنة الشكاوي، وكانت أجهزة الأمن في كل مرة تبتكر عقوبة جديدة وتنتهج اسلوبًا جديدًا للتضييق، ومع ذلك لم تخضع الصحافة السودانية واستعصى ترويضها، وذهب نظام البشير، كما ذهبت الأنظمة السابقة التي تفننت في محاصرة الصحافة، وسيذهب نظامك هذا يا استاذ خالد، وستبقى الصحافة مقاتلة من اجل حريتها ومسؤوليتها تجاه مجتتمعها، ومن أجل وظيفتها وواجبها المقدس، ولسان حالها يؤدد ” اقضِ ما انت قاضٍ، إنما تقضي “أيامك” هذه التي تبقت لك في الوزارة..
(4)
حرية الصحافة، بالنسبة للصحافي المتخصص الذي أبحر في مؤلفات الإعلام، وغاص في بحوثه واستغرق في نظرياته المختلفة الإحدى عشر، ومارس الصحافة مهنةً من محرر صغير في صالات التحرير، حتى تجاوز عمر النبوة، لن يساوم ولن يداهن ولن يرضى بغير حرية الإعلام المحكومة بالقانون – القانون الذي ينظم الحرية لا الذي يكبتها ويسلبها ويضيق عليها، نعم لن يرضى إلا بحرية الإعلام المنضبطة بأخلاق المهنة والمسؤولية، لكن قطعًا فإن الذي لايعرف عن الصحافة والإعلام إلا الصراخ في الفضائيات، والثرثرة وحب الظهور، والصخب في الأسواق، ليس معنيًا بالصحافة ولا الإعلام الحُر ولا بحرية الصحافة، بل هو طارئٌ عليها، وسيذهب كما أتى ، والله غالب على امره ولكن أكثر الناس لايعلمون…..اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة اخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.










إرسال تعليق