حين تصبح الأضحية أغلى من الدية… قراءة قانونية وواقعية في ضرورة إعادة تقدير الدية في السودان

  • بتاريخ : 23 مايو، 2026 - 3:38 م
  • الزيارات : 7
  • بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي

    لقد خرجتُ من مدينة ود مدني الحبيبة بسبب الحرب، متنقّلًا لعامٍ كامل بين المناطق الآمنة؛ من سنجة إلى كسلا ثم بورتسودان، قبل أن أستقر خارج البلاد. واليوم، وأنا أتهيأ للعودة إلى أم المدائن، مدني؛ مدينة الأهل والأحباب، لقضاء عطلة عيد الأضحى المبارك بينهم بعد أن تحققت الانتصارات، واستعادت المدينة شيئًا من استقرارها وابتسامتها، قمتُ بالاتصال بأحد الأصدقاء الذي درجتُ سنويًا على تكليفه بشراء كبشٍ أقرن يكون في انتظاري عند العودة.

    لكن الدهشة ألجمتني حين أخبرني بأن أسعار الأضاحي المتوسطة هذا العام تتراوح بين مليون وثمانمائة ألف جنيه، وأن أفضلها قد يصل إلى مليونين ونصف المليون جنيه. ومن دون أن أشعر قلت له:

    “هل أنت صادق فيما تقول يا صديقي، أم أنك واقع تحت تأثير الذكاء الاصطناعي؟! فأنا خرجتُ من البلد قبل ثلاث سنوات، لا قبل ثلاثمائة سنة شمسية كأصحاب الكهف الذين ورد ذكرهم في قوله تعالى:

    ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾

    صدق الله العظيم.

    ولما كانت الأضحية — وهي شعيرة من شعائر الإسلام، وسنة مؤكدة للقادر عليها عند جمهور العلماء، وواجبة على المستطيع عند الإمام أبي حنيفة — قد تجاوزت قيمتها اليوم قيمة الدية المقررة شرعًا وقانونًا، فإن الأمر يثير تساؤلات مشروعة حول واقع التشريع ومدى مواكبته للمتغيرات الاقتصادية.

    فقد حُددت الدية بموجب منشور رئيس القضاء الصادر بتاريخ 20 مارس 2016م بمبلغ (330) ألف جنيه للدية الكاملة، و(337) ألف جنيه للدية المغلظة، وذلك استنادًا إلى نص المادة (42/1) من القانون الجنائي لسنة 1991م قبل تعديلها، والتي كانت تنص على الآتي:

    “الدية مائة من الإبل أو ما يعادل قيمتها من النقود، ويحددها من وقت لآخر رئيس القضاء بعد التشاور مع الجهات المختصة.”

    إلا أن هذا النص تم تعديله بموجب قانون التعديلات المتنوعة رقم (12) لسنة 2020م المنشور بالعدد (1904) بتاريخ 12 يوليو 2020م، حيث أُلغي البند (1) من المادة (42)، واستُعيض عنه بالنص الآتي:

    “تحدد الدية بموجب قانون.”

    وبذلك أصبح تحديد الدية اختصاصًا تشريعيًا يُمارس عبر قانون يصدر من السلطة المختصة، ولم يعد من صلاحيات رئيس القضاء إصدار منشورات بتحديدها، مما يعني — من الناحية القانونية — انتهاء السند الذي استند إليه منشور 2016م.

    وعند مطالعة المادة (11) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م، والتي جاءت تحت عنوان: “لا يُعاد العمل بالقوانين الملغاة”، نجد أنها تنص على الآتي:

    “إذا صدر قانون بإلغاء قانون آخر أو أي جزء منه، ثم أُلغي ذلك القانون بدوره، فلا يترتب على هذا الإلغاء الأخير إعادة العمل بالقانون أو بالأحكام السابق إلغاؤها، إلا بنص خاص يقضي بإعادة العمل بذلك القانون أو تلك الأحكام.”

    ومن ثم يثور التساؤل المشروع:

    هل ما زال العمل بقيمة الدية المحددة بمنشور 2016م قائمًا بعد زوال السند القانوني الذي منحه المشروعية؟

    ولما كانت الدية في الإسلام ليست “ثمنًا للإنسان”، فالنفس البشرية أعظم من أن تُقدّر بمال، وإنما شُرعت لتحقيق مقاصد عظيمة، منها:

    * جبر خواطر أهل المقتول،

    * وتحميل المسؤولية،

    * والردع عن التهاون في الدماء،

    * وإطفاء نار الثأر والانتقام.

    قال الله تعالى:

    ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ﴾.

    كما قال سبحانه:

    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾

    ثم قال:

    ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.

    وقد كانت الدية في الأصل تُقدّر بمائةٍ من الإبل، ثم اجتهد الفقهاء في تقويمها بما يعادل قيمتها النقدية بحسب الزمان والمكان.

    ومن هنا، فإن تحقيق العدالة وإشاعة الإنصاف بين الناس يستلزمان الإسراع في إصدار قانون جديد يُعاد بموجبه تقدير الدية بما يعادل القيمة الحقيقية لمائةٍ من الإبل في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

    وإننا نناشد السيد وزير العدل، والإخوة الكرام بوزارة العدل من المستشارين والخبراء القانونيين، الإسراع في إعداد مشروع قانون يعالج هذا الفراغ التشريعي ويحقق العدالة بين الناس، إذ لا يُعقل أن تصبح قيمة الخروف اليوم أعلى من قيمة الدية المقررة قبل عشر سنوات، استنادًا إلى نص قانوني تم إلغاؤه وتعديل سنده التشريعي.

    فالعدالة لا تتحقق بالنصوص الجامدة، وإنما بقدرتها على مواكبة الواقع وصيانة مقاصد الشريعة وحفظ حقوق الناس.