جلود الأضاحي… من نعمةٍ مهملة إلى خطرٍ بيئي

  • الكاتب : أمين الجاك عامر – المحامي
  • بتاريخ : 22 مايو، 2026 - 4:49 م
  • الزيارات : 14
  • لقد تبقت أيام معدودة على عيد الأضحى، ذلك الموسم العظيم الذي تتجلى فيه معاني الطاعة والتكافل والرحمة، ومن أبرز شعائر الإسلام في هذه الأيام المباركة ذبح الأضاحي، وهي سنة مؤكدة للقادر عليها عند جمهور العلماء، وواجبة على المستطيع عند الإمام أبو حنيفة النعمان.

     

    ويُستحب للمسلم القادر أن يحرص على الأضحية اقتداءً بالنبي ﷺ، وإحياءً لهذه الشعيرة العظيمة التي تحمل في مضامينها معاني البذل والتقرب إلى الله تعالى.

     

    ومن آداب الأضحية المشهورة والمتبعة: إخلاص النية لله تعالى، واختيار الأضحية السليمة الطيبة، والرفق بها وعدم تعذيبها، وألا تُذبح أمام أختها، وألا تُحد السكين أمامها رحمةً بها، مع التسمية والتكبير عند الذبح، وأن يكون الذبح بعد صلاة العيد. كما يُستحب الأكل منها، والإهداء للأقارب والجيران، والتصدق على الفقراء والمحتاجين، بعيدًا عن الإسراف والتفاخر؛ فالمقصود من الأضحية تعظيم شعائر الله ونشر الرحمة والتكافل، لا المظاهر والرياء.

     

    قال تعالى في القرآن الكريم:

    ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.

     

    وشرعًا يجوز الانتفاع بجلد الأضحية بكل أوجه الانتفاع المباحة؛ كأن يُفرش، أو يُجعل قِربةً أو وعاءً، أو يُهدى لأحد، أو يُتصدق به على فقير أو جهة خيرية. ويرى جمهور العلماء أنه لا يجوز بيع جلد الأضحية، ولا إعطاء الجزار الجلد أجرةً على الذبح؛ لأن الأضحية قربة لله تعالى، فلا يُؤخذ شيءٌ منها على سبيل المعاوضة.

     

    وللأسف، فقد أصبحت ظاهرة إلقاء جلود الأضاحي في الشوارع والطرقات من المشاهد المؤسفة التي تكررت خلال السنوات الأخيرة، بسبب تدني قيمتها الاقتصادية وتراجع صناعة الجلود، الأمر الذي جعل تلك الجلود مصدرًا للروائح الكريهة، وبيئةً خصبة لتكاثر الحشرات وانتشار الأمراض، فضلًا عن تشويه المظهر العام والإضرار بالصحة والبيئة.

     

    ونأمل هذا العام أن تختفي هذه الظاهرة السالبة، وأن تنشط الجهات الرسمية المختصة في المحليات في ابتكار وسائل صحية وآمنة لجمع جلود الأضاحي والتعامل معها بصورة حضارية، كما نأمل أن تضطلع الجمعيات والمنظمات ذات الصلة بدورها في نشر الوعي المجتمعي بأهمية الاستفادة من جلود الأضاحي وعدم إهدارها.

     

    وإذا كانت عجلة صناعة الجلود، ذات القيمة الاقتصادية الكبيرة، قد توقفت أو تراجعت، فما زال هناك متسع لنشر ثقافة حفظ جلود الأضاحي بتمليحها بالملح الخشن والاحتفاظ بها في المنازل إلى حين التصرف فيها بالطرق المشروعة والمفيدة، بدلًا من إلقائها في الطرقات لتصبح عبئًا صحيًا وبيئيًا.

     

    إن تعظيم شعائر الله لا يقتصر على الذبح وحده، بل يمتد ليشمل حسن التصرف فيما ينتج عن الأضحية، بما يحفظ كرامة الشعيرة، ويحقق مقاصد الدين في النظافة والرحمة وصيانة البيئة والمجتمع.