*حوارات حول الأفكار(117)*
حيدرمعتصم مدني
*مدير مركز الخرطوم للحوار*
*السودان وإثيوبيا بين* *التنافس والتكامل*:نحو مشروع إقليمي مستقل في الغذاء والمياه والطاقة
*مقدمة :*
تُختزل العلاقة بين السودان وإثيوبيا في الخطاب السياسي والإعلامي السائد بوصفها علاقة توتر وصراع، تتجسد في العديد من الملفات الساخنة مثل الحدود وسد النهضة و الوقوع في فخ أجندة الآخرين في تعريف المصلحة الوطنية غير أن هذه القراءة تختزل واقعًا أكثر تعقيدًا وعمقًا.
فالدولتان لا تمثلان مجرد طرفين متجاورين، بل تشكلان معًا كتلة جيوسياسية واقتصادية كامنة، تمتلك من المقومات ما يؤهلهما لبناء أحد أهم نماذج التكامل الإقليمي في إفريقيا و
لكن هذا الإمكان ظل معطلاً، ليس فقط بسبب الخلافات المباشرة، بل أيضًا نتيجة:
*غياب تعريف مشترك* *للمصلحة*
*ضعف البناء المؤسسي*
*وتحول الدولتين إلى* *ساحات تفاعل مع مشاريع* *وقوى خارجية متنافسة*
ومن هنا تبرز الفرضية المركزية لهذا المقال
التحدي الحقيقي ليس في إدارة الخلاف بين السودان وإثيوبيا، بل في عجزهما عن بناء مشروع مشترك يحصّن علاقتهما من التحول إلى ميدان لصراعات الآخرين.
*أولاً: الجغرافيا كفرصة…لا* *كقدر للصراع*
يشكل السودان وإثيوبيا معًا:
عقدة ربط بين القرن الإفريقي وعمق وادي النيل
امتدادًا مباشرًا لتوازنات أمن البحر الأحمر
كتلة سكانية وزراعية ضخمة غير مستغلة
هذه الجغرافيا لا تفرض الصراع بحد ذاتها، بل تخلق:
قابلية مزدوجة: إما للتكامل العميق أو للتنافس الحاد.
لكن في ظل غياب رؤية مشتركة، تتحول هذه القابلية إلى:
تنافس بالوكالة
أو استقطاب ضمن محاور إقليمية ودولية
*ثانياً: سد النهضة…مُسرّع* *التناقضات لا صانعها*
يمثل سد النهضة أحد أبرز تجليات التوتر، لكنه في جوهره:
مشروع سيادي إثيوبي يستهدف:
إنتاج الطاقة
تعزيز السيطرة على الموارد المائية
بناء نفوذ إقليمي
وفي المقابل:
يوفر للسودان فرصًا حقيقية:
تنظيم تدفق المياه
تقليل الفيضانات
تحسين الإنتاج الزراعي
وبالنسبة لمصر:
يرتبط مباشرة بالأمن المائي التاريخي
وعليه:
السد لم يصنع الخلاف، بل كشفه وسرّعه.
أما اختزاله في كونه “غطاءً لمشروع آخر” أو “مشروعًا ساذجًا للكهرباء”، فهو تبسيط لا يصمد أمام التحليل الاستراتيجي.
*ثالثاً: فجوات العلاقة…حيث* *تتشكل الأزمة*
تكمن المشكلة الحقيقية في ثلاث فجوات بنيوية:
1. فجوة الثقة
توترات حدودية (مثل الفشقة)
تاريخ من الشكوك المتبادلة
2. فجوة تعريف المصلحة
كل دولة تتحرك وفق:
تصور أحادي لمصلحتها
دون بناء مصلحة مشتركة مركبة
3. فجوة الاستقلال الاستراتيجي
في كثير من الأحيان:
لا تُدار العلاقة مباشرة بين الدولتين
بل تتأثر بتوازنات وضغوط خارجية
لكن هذا لا يعني وجود “مؤامرة مكتملة”، بل يشير إلى:
فراغ استراتيجي يسمح بتقاطع مصالح الآخرين داخل المجال السوداني–الإثيوبي.
*رابعاً: سردية التآمر…بين* *الواقع والتضخيم*
شهدت العقود الماضية:
تقارير دولية حول الأمن الغذائي
و ضغوطًا سياسية على نظام عمر البشير
مقالات وسيناريوهات في الإعلام ومراكز التفكير
تطرقت أحيانًا إلى:
تغيير النظام
تدخلات دولية
وحتى فرض وصاية
غير أن التمييز ضروري بين:
السيناريو التحليلي
والخطة التنفيذية
وعليه:
لا توجد أدلة كافية على وجود خطة دولية موحدة لإعادة تشكيل السودان،
لكن هناك إدراك دولي دائم لأهميته، وتفاعل مستمر معه وفق المصالح.
*خامساً: الغذاء والطاقة…* *معادلة الفرصة الضائعة*
تمثل العلاقة بين السودان وإثيوبيا نموذجًا واضحًا لاختلال استثماري:
إثيوبيا:
استثمرت في الطاقة الكهرومائية
حققت عائدًا مباشرًا واستقرارًا نسبيًا
السودان:
يمتلك إمكانات زراعية هائلة
لكنه لم يحولها إلى مشروع اقتصادي متكامل
وهنا تتجلى الحقيقة:
الطاقة تخلق سوقًا… لكن الغذاء يخلق منظومة اقتصادية كاملة.
ولو تم الربط بين:
الطاقة الإثيوبية
والزراعة السودانية
لأمكن بناء:
كتلة اقتصادية إقليمية ذات تأثير عالمي
*سادساً: لحظة الأزمات…* *نافذة لإعادة التأسيس*
التاريخ يشير إلى أن:
التحولات الكبرى لا تُصنع في لحظات الاستقرار، بل في أزمنة التوتر.
لكن ذلك يتطلب:
قيادة واعية
تعريفًا واضحًا للمصالح
استعدادًا لتنازلات استراتيجية
وهي عناصر ظلت غائبة في إدارة العلاقة بين البلدين.
سابعاً: من ساحة صراع إلى مشروع مشترك
الفرصة الاستراتيجية الحقيقية أمام السودان وإثيوبيا ليست في:
حسم الخلاف
أو التفوق على الطرف الآخر
بل في:
بناء مشروع مشترك مستقل يحوّل البلدين من ساحة لتنافس الآخرين إلى فاعلين في تحديد قواعد اللعبة.
يمكن أن يقوم هذا المشروع على:
1. تكامل الماء والطاقة والزراعة
إدارة مرنة للسد
ربط كهربائي إقليمي
تنسيق زراعي
2. مشروع إقليمي للأمن الغذائي
السودان: الإنتاج الزراعي
إثيوبيا: الطاقة والتنظيم المائي
الإقليم: التمويل والأسواق
3. إعادة تعريف الحدود
تحويل مناطق التوتر (مثل الفشقة) إلى:
مناطق إنتاج مشتركة
أو نماذج إدارة تعاونية
*الخاتمة :*
السودان وإثيوبيا لا يفتقران إلى الموارد، بل إلى:
تعريف مشترك للمصلحة
وإرادة لبناء مشروع يتجاوز منطق التنافس الضيق
وفي ظل هذا الغياب، تستمر القوى الأخرى في:
التأثير
وإعادة تشكيل التفاعلات
ليس بالضرورة عبر مؤامرة موحدة،
بل عبر استثمار الفراغ القائم.
*الجملة الختامية :*
لن يخرج السودان وإثيوبيا من دائرة الصراع،إلا عندما يقرران أن يكونا شريكين في مشروع واحد… لا موقعين في مشاريع الآخرين.











إرسال تعليق