بقلم / دكتور ياسر احمد ابراهيم

  • بتاريخ : 9 يناير، 2026 - 4:15 م
  • الزيارات : 43
  • في قلب وادي النيل، وعلى أرضٍ رعاها الله وصاغها لصنع التاريخ قبل أن تُكتب صفحاته الأولى، قدّم السودان القديم واحدة من أعرق الحضارات الإنسانية، وأسهم إسهامًا عميقًا في تشكيل الوعي البشري، ولا يزال يحمل في طياته ما يؤهله ليكون فاعلًا حضاريًا في مستقبل الإنسانية.

    *حضارة قديمة أسست للإنسانية*

    كان السودان، منذ حضارات كرمة ونبتة ومروي، مهدًا لدول مركزية مبكرة سبقت كثيرًا من نظم الحكم في العالم. طوّر الإنسان السوداني القديم نظمًا سياسية وإدارية متقدمة، وأقام مدنًا مخططة، وشيد أهرامات مروي التي تمثل أكبر واقدم تجمع للأهرامات في العالم، في دلالة واضحة على عمق المعرفة المعمارية والهندسية.

    وفي مجال الكتابة والمعرفة، ابتكر الكوشيون اللغة المروية، إحدى أقدم لغات العالم و أفريقيا المكتوبة، ما يعكس وعيًا مبكرًا بأهمية التوثيق ونقل المعرفة. كما برعوا في الفلك والرياضيات وتنظيم الزمن، وارتبطت معتقداتهم الدينية بفهم متقدم للطبيعة والكون.

    أما في الاقتصاد والتجارة، فقد كان السودان القديم حلقة وصل حيوية بين أفريقيا جنوب الصحراء والعالم المتوسطي، وأسهم في نشر السلع والزراعه وصهر المعادن والأفكار والثقافات، مما جعله مركزًا للتبادل الحضاري وليس مجرد ممر جغرافي.

    *إرث إنساني ينتظر الاكتمال*

    اليوم، ورغم التحديات السياسية والاقتصادية، يظل السودان حاملًا لإرث حضاري قادر على الإسهام في مستقبل البشرية. فتنوعه الثقافي واللغوي يمثل نموذجًا نادرًا للتعايش الإنساني، يمكن أن يثري النقاش العالمي حول الهوية والسلام الاجتماعي.

    كما يمتلك السودان ثروات طبيعية وزراعية هائلة تؤهله للمساهمة في الأمن الغذائي العالمي، إلى جانب موقعه الجغرافي الاستراتيجي الذي يعيد طرحه بوابةً للتكامل الاقتصادي والثقافي بين أفريقيا والعالم العربي.

    وفي مجال المعرفة والتراث، يمكن لإعادة اكتشاف الآثار السودانية وحمايتها أن تضيف فصولًا جديدة إلى تاريخ الحضارة الإنسانية، وتصحح سرديات تاريخية طالها التهميش والاخفاء .

     

    *من الماضي إلى المستقبل*

    إن السودان ليس مجرد ذاكرة حضارية، بل مشروع إنساني مفتوح. فما قدّمه في الماضي من قيم التنظيم والابتكار والتواصل بين الشعوب، قادر على أن يتجدد في المستقبل، حين تتوفر له شروط الاستقرار والاستثمار في الإنسان، ليعود مرة أخرى فاعلًا في مسيرة الحضارة، لا شاهدًا عليها فقط كما يراد له ان يكون في دائره صراع داخلي وحروب خارجيه لاضعافه و تفتيته ونهب ثرواته .