بقلم: قسم بشير محمد
كاتب وخبير مصرفي
تُعد ولايات سنار، النيل الأزرق، والقضارف رأس الرمح في الزراعة المطرية الصيفية بشقيها الآلي والتقليدي. غير أن المتابع للحراك الزراعي هذا العام يلحظ غيابًا واضحًا لمظاهر الاستعداد التي كانت سمة مميزة للمواسم السابقة.
فلم تعد هناك حركة صيانة نشطة للجرارات والدكاسي والترلات، ولا تجهيز للكنابي أو مواعين نقل الوقود، وهي مؤشرات كانت تعكس جاهزية المزارعين واستعدادهم المبكر لدخول الموسم. هذا الغياب يعكس حالة من التردد والعزوف وسط المزارعين عن خوض تجربة الزراعة لهذا العام.
ويأتي ذلك في ظل تعقيدات غير مسبوقة، على رأسها الارتفاع الكبير في أسعار الوقود، الذي يمثل العمود الفقري لأي عملية زراعية، إلى جانب غياب التمويل نتيجة تداعيات الحرب. كما ساهم الارتفاع الجنوني في أسعار قطع الغيار ومدخلات الإنتاج في زيادة الأعباء، حيث بلغ سعر بالة الخيش نحو 1,800,000 جنيه، وسعر جوال سماد اليوريا (50 كجم) حوالي 200,000 جنيه، بينما وصل سماد الداب إلى 250,000 جنيه.
وفي المقابل، يعاني المزارع من تدني أسعار المنتجات الزراعية وقت الحصاد، إذ لم يتجاوز سعر قنطار السمسم 100,000 جنيه، وسعر جوال الذرة (زنة 5 كيلات) 30,000 جنيه، ما يجعل العائد لا يغطي تكلفة الإنتاج. كما أن نقص الأيدي العاملة زاد من معاناة المزارعين، ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف “خرجوا من المولد بلا حمص”.
والمفارقة المؤلمة أن أسعار هذه المحاصيل ترتفع لاحقًا بعد خروجها من يد المنتج، لتصبح حكرًا على التجار والسماسرة، حيث وصل سعر قنطار السمسم إلى 180,000 جنيه، وارتفع سعر جوال الذرة زنة 5 كيلات إلى 75,000 جنيه.
إن عزوف المزارعين عن الزراعة في هذا الموسم ليس خيارًا، بل هو نتيجة حتمية لظروف قاهرة وتعقيدات متراكمة. ومن المتوقع أن ينعكس ذلك سلبًا على المساحات المزروعة، وبالتالي على حجم الإنتاج، مما سيؤثر بدوره على الأسواق المحلية، وقوت المواطن، وصادرات البلاد.
نسأل الله صلاح الحال.











إرسال تعليق