اتفاق جوبا… حين يتحول السلام إلى بوابة للمحاصصة وامتيازات الخارج

  • بتاريخ : 1 مايو، 2026 - 1:44 م
  • الزيارات : 6
  • بقلم/ د.سعاد فقيري

    “مدير مكتب اتحاد الشباب العربي”

    لم يكن اتفاق جوبا للسلام في جوهره مشروعًا لتقاسم السلطة بقدر ما كان يفترض أن يكون بوابة لإنهاء الحرب وبناء دولة عادلة تستوعب الجميع على أساس المواطنة والكفاءة.
    لكن ما حدث على أرض الواقع يكشف عن انحراف خطير في التطبيق، حيث تحوّل الاتفاق – في نظر كثيرين – إلى معيار للتوظيف والترقي، لا إلى إطار لتحقيق السلام والاستقرار.
    اليوم، بات الحديث عن الكفاءة في بعض مؤسسات الدولة السودانية يبدو كأنه ترف فكري، بينما تُدار مفاصل حساسة بمنطق “الاستحقاق السياسي” و”المحاصصة”، لا بمنطق الجدارة والخبرة.
    هذا التحول لم يضعف فقط الأداء المؤسسي، بل خلق حالة من الإحباط العام وسط الكفاءات الوطنية التي تجد نفسها خارج دائرة التأثير، لصالح تعيينات قائمة على الانتماء لا القدرة.
    الأخطر من ذلك أن الاتفاق، الذي يُفترض أنه وسيلة لتحقيق العدالة، أصبح في بعض جوانبه “خطًا أحمر” لا يُمس، حتى وإن أفرز اختلالات واضحة في بنية الدولة.
    أي نقد له يُفسَّر أحيانًا كأنه تهديد للسلام، بينما الحقيقة أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الظلم الوظيفي أو الإقصاء المهني.
    وفي سياق متصل، تبرز قضية التعيينات في السلك الدبلوماسي ومنح “الجواز الأحمر” كواحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل.
    فبدل أن تكون الخارجية واجهة مهنية للدولة، أصبحت – في بعض الحالات – امتدادًا لنظام الامتيازات، حيث تُمنح المناصب لأغراض الترضيات، وتتحول البعثات الخارجية إلى ملاذات للاستقرار الأسري، لا ساحات لخدمة المصالح الوطنية.
    هذا الواقع يطرح أسئلة جوهرية: هل أصبح الانتماء لاتفاق أو مسار سياسي بديلاً عن الكفاءة؟ وهل تحوّل السلام إلى غطاء لإعادة إنتاج الفساد بشكل أكثر نعومة؟
    إن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط كفاءة الدولة، بل يضرب فكرة العدالة في مقتل.
    فالدولة التي لا تكافئ أهل الخبرة، ولا تضع الرجل المناسب في المكان المناسب، تفقد تدريجيًا قدرتها على النهوض، مهما كانت شعاراتها براقة.
    الحل لا يكمن في إسقاط الاتفاق أو إنكار أهميته، بل في إعادة ضبط مساره:
    فصل الاستحقاق السياسي عن التوظيف المهني .
    وضع معايير واضحة وشفافة للتعيين في الوظائف العامة.
    مراجعة التمثيل الخارجي وفق الكفاءة لا الولاء.
    إخضاع الامتيازات (مثل الجوازات الدبلوماسية) لضوابط صارمة
    إن السودان اليوم في مرحلة لا تحتمل المجاملات.
    فإما دولة تُبنى على الكفاءة والعدالة، أو نظام يستمر في استنزاف ما تبقى من مؤسساتها.
    وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نملك الشجاعة لنقول إن بعض ما تم باسم السلام… يحتاج إلى تصحيح؟