بقلم الطيب مضوي شيقوق
كاتب – روائي – محامي
الحلقة السابعة
ذاكرة النهر والمواسم: الدندر كما كانت تُروى
لم تكن الدندر وقراها مجرد امتدادٍ جغرافيٍّ على الخريطة، بل كانت فضاءً تتشكل فيه الحياة كل عام من جديد، حين تمتزج السماء بالأرض في لحظةٍ كأنها وعدٌ قديم، فتنهض الأرض من سكونها، وتستعيد المواسم نبضها الأول.
هناك، حيث تمتد أراضي الزراعة على مدّ البصر، كان الناس يقرؤون الفصول لا في الكتب، بل في ملامح الطبيعة في تغير اتجاه الريح، وفي رائحة المطر، وفي انتظارٍ طويلٍ لماءٍ يأتي من بعيد، كأنه قدرٌ مسطور بعنايةٍ إلهية.
وكان الناس يسمّون منازل الخريف بأسماءٍ معروفة لديهم، يتناقلونها جيلاً بعد جيل، في قراءةٍ فطرية لحركة النجوم ودلالاتها المرتبطة بالمطر.
فكانت تُذكر أسماء مثل: العصا العطشانة، والعصا الرويانة، والضِّراع، والنترة، والطرفة البكّاية، والجبهة، والخيرسان (سلطان المطر)، والعواء، والسماك، والصرف، وغيرها من النجوم التي ارتبطت في الوعي الشعبي بمواقيت الخريف وبشائره.
وكان نهر الدندر موسميًا في جريانه، لكنه دائم في أثره، تأتي مياهه من الهضبة الإثيوبية، مع نهاية شهر يونيو وبدايات يوليو من كل عام ، في توقيتٍ يكاد يكون ثابتًا، لا يُخطئ موعد انحداره من الهضبة الإثيوبية، كأنما تضبطه يدٌ خفية تسوقه في موعده المعلوم.
وقبل مجيئه، كانت القرى تعيش حالة ترقّبٍ صامت العيون تراقب، والقلوب تتهيأ، والحديث لا ينقطع عن الماء القادم الذي يحمل بشائر الموسم وملامح العام كله.
وكانت الأسئلة تتواتر عن مسار النهر ومحطاته منذ بداية انحداره من الهضبة الإثيوبية وحتى وصوله إلى مصبّه في قرية الربوة، حيث يلتقي بالنيل الأزرق محدث صوتا يعكس عمق الارتباط بين النهر و النيل.
فإذا جاء نهر الدندر مارا بأي قرية ، لم يكن ذلك الحدث مجرّد ماء عابر ، بل كان حدثًا يُستقبل بالبهجة؛ ويخرج الناس لمشاهدته كأنهم يستقبلون ضيفًا عزيزًا طال انتظاره، يجيء محمّلًا بالبشارة والحياة، فتتهلل الوجوه وتنبض القلوب فرحًا بقدومه.
وكان مرور النهر على قراهم ليلًا علامة رخاءٍ قادم، وبشارة خيرٍ يعمّ الزرع والناس،
أما إذا جاء نهارًا، فقد كانوا يتوجسون منه، ويرونه نذير عامٍ أقل بركة، في قراءةٍ فطرية تمزج بين التجربة والموروث.
ومن طرائف ذلك الزمن الجميل، يُحكى أن نهر الدندر كان يمر بالقرب من قرية البردانة، وكان جدّنا العجب أمبلي، وهو من وجهاء الدندر وأثريائها آنذاك، يجالس صديقه الرضي ود شيقوق، الذي عُرف ببساطته وضيق حاله.
فالتفت العجب إلى صاحبه الرضي. ذلك العبد الفقير، قائلاً مازحًا:
«يا الرضي أخوي، قالوا البحر وصل البردانة!»
فردّ عليه الرضي ود شيقوق متهكّمًا، بابتسامةٍ تحمل شيئًا من الدعابة:
«أنا عمري الآن سبعين سنة، والبحر دا مرّ عليّ سبعين مرة ما شفت منه حاجة … البحر دا جاييك إنت يا العجب أخوي، و ود بدر بكاكوم ، وود مردوف بدرابة ، وحاج البدوي ود الحسن بالبردانة !»
كانت الدندر، مع إقبال موسم الخريف، تفتح أبوابها للعمال الوافدين من جهاتٍ متباعدة…
فيتوافد إليها العمال الزراعيون من جنوب وغرب السودان للخدمة في البلدات والمشاريع الزراعية، كما يفد إليها آخرون من قبائل شرق السودان للرعي بمواشي القرى، فتنبض الأرض بحركةٍ بشريةٍ موسميةٍ واسعة، تضيف إلى المكان حيويةً خاصة، وتعيد تشكيل تفاصيل الحياة على إيقاع الموسم.
وكانت عودة هؤلاء العمال تتكرر كل عام بانتظامٍ لافت، مع مطلع شهر يونيو، حيث يعود كثيرٌ منهم إلى نفس المزارعين الذين عملوا معهم من قبل، فلا يكونون في حاجةٍ إلى معلومات عنهم تطمئنهم علي مصداقيتهم و قدرتهم علي الوفاء بإلتزاماتهم .
لذا كانت العلاقة بين المزارعين وهؤلاء العمال تقوم على قدرٍ عالٍ من الثقة…
حيث يتم الاتفاق على الأجور الشهرية، لكن أغلبهم لا يعجّل بطلبها، بل يتركونها مع المزارعين الي حين يكتمل الخريف و تنتهي عمليات الحصاد .
وكان الراعي يتولى رعي مواشي جميع سكان القرية، مقابل أجرةٍ شهرية تحسب لكل رأس، وفق ما جرى عليه العرف.غير أنه، وفي لفتةٍ ذات دلالة، كان الراعي يعفّ عن تقاضي هذه الأجور من الأسرة التي تستضيفه وتُقيمه، بل ويقوم بعملية حليب مواشيهم دون مقابل، في سلوكٍ يجسّد معاني الوفاء تجاه أولئك الذين تفضّلوا باستضافته.
ومع بداية الخريف، كانت تنبت بعض الخضروات البسيطة (بروس) مثل الموليتة والخدرة والتمليكة وغيرها من الخضروات المحلية، التي كانت تُعرف بقدرتها على النمو في ظروفٍ طبيعيةٍ متواضعة، فتسهم في تخفيف كلفة المعيشة.
وكان كل مزارعٍ يحرص على الاحتفاظ بـ“تواريب الهواميك” مثل اللوبيا والعشريف والتبش، حيث تُعلَّق عادةً على أسقف البيوت أو تُحفظ في المخازن، لتتم زراعتها في الموسم المقبل، إما في “مغورة” قريبة من منزله أو في الحقول البعيدة.
وكانت أكثر المواضع خصوبةً لزراعة تلك “الهواميك” هي “محلات التقي” و“محل حريق الكبور”، وكذلك زرائب الأبقار القديمة، حيث تمنحها التربة الغنية بالمخلفات الحيوانية قدرةً أعلى على الإنتاج، في دورةٍ طبيعيةٍ متكاملة بين الإنسان والحيوان والأرض.
وكان أنجح المزارعين هم أولئك الذين يحتفظون بأدوات الزراعة من موسمٍ إلى آخر، مثل “الملود” و“النجامة” و“الكدنكة” و ربما المحاكيك ، ليتم استعمالها في الموسم الجديد.
وهكذا كانت الدندر…
أرضًا تُزرع فيها الذرة بكل أنواعها، والسمسم، واللوبيا، والعشريف، وغيرها من المحاصيل المحلية التي شكّلت هوية الزراعة في المنطقة، وتعيش فيها الأرض والإنسان على إيقاعٍ واحد، تتعاقب فيه المواسم كما تتعاقب فيه الحياة، في دورةٍ لا تنقطع بين الماء والزرع والإنسان.
وصدق من قال: الدندر صعيد كعب البزمو لالوبا كتير نبقا تخمو وكعكولا كبير ينسى الجاهل أمو.











إرسال تعليق