بين حقّ البنك وحرمة الملكية في زمن الحرب

  • بتاريخ : 1 مارس، 2026 - 5:15 م
  • الزيارات : 79
  •  

    بيع الأموال المرهونة للمصارف في القانون السوداني ما بين الالتزام القانوني والظروف الاستثنائية

    بقلم / الطيب مضوي شيقوق 

    “المحامي والمستشار القانوني”

    لم تُنشأ القواعد القانونية لتنظيم الأوضاع المستقرة وحدها، بل وُضعت كذلك لتواجه اللحظات الاستثنائية التي تهتز فيها حياة الناس واقتصادهم معًا. وقد فرضت ظروف الحرب التي مرّ بها السودان واقعًا جديدًا لم يكن حاضرًا عند إبرام كثير من عقود التمويل، حيث انهارت مشاريع، وتعطلت سلاسل الإنتاج، وفقد عدد كبير من المدينين القدرة الفعلية — لا الإرادة — على الوفاء بالتزاماتهم.
    وفي هذا السياق تبرز مسألة بيع الأموال المرهونة للمصارف باعتبارها إحدى أكثر القضايا حساسية، لأنها تقف عند نقطة التقاء حقّين مشروعين: حق البنك في استرداد أمواله، وحق المدين في معاملة عادلة تراعي الظروف القاهرة التي دمرت مصدر دخله.

    الرهن ضمانٌ للدين لا عقوبة للمدينه،،

    الأصل في القانون السوداني أن الرهن وسيلة لضمان الوفاء، وليس أداة لمعاقبة المدين عند التعثر. فالمصرف لا يتملك المال المرهون تلقائيًا، وإنما يلجأ إلى بيعه عبر إجراءات قضائية عندما يستحيل السداد.
    غير أن هذا الأصل يفترض بيئة اقتصادية طبيعية، حيث يكون التعثر ناتجًا عن مخاطر تجارية معتادة. أما في ظروف الحرب، فإن التعثر غالبًا ما يكون نتيجة قوة قاهرة عامة أصابت النشاط الاقتصادي ذاته، لا تقصيرًا شخصيًا من المدين.
    ومن هنا تنشأ الحاجة إلى قراءة قانونية أكثر توازنًا دون المساس بأصل الالتزام.
    الحرب وتأثيرها على الالتزامات التعاقدية

    القانون — في روحه قبل نصوصه — يميز بين حالتين:
    استحالة التنفيذ: حيث ينقضي الالتزام.
    الإرهاق الشديد في التنفيذ: حيث يبقى الالتزام قائمًا لكن تُعدّل آثاره.
    وفي غالب حالات المشاريع التي دمرتها الحرب، لا ينعدم الدين ذاته، وإنما يصبح الوفاء الفوري مرهقًا بصورة استثنائية. وهنا تظهر فكرة العدالة التعاقدية التي تسمح بإعادة التوازن دون إسقاط الحق.
    بعبارة أوضح: الحرب قد تبرر إعادة الجدولة، لكنها لا تُسقط أصل الدين.

    واجب البنك قبل اللجوء لبيع الرهن
    في الظروف العادية، يباشر البنك إجراءات التنفيذ بعد التعثر والإنذار.
    أما في الظروف الاستثنائية، فإن مقتضيات حسن النية المهنية تفرض خطوات إضافية، منها:
    تقييم أثر الحرب على المشروع الممول.
    التحقق من أن التعثر خارج إرادة المدين.
    دراسة إمكانية إعادة الجدولة قبل التنفيذ.
    منح فترات سماح معقولة تسمح بإعادة النشاط الاقتصادي.
    فالمصرف ليس مجرد دائن، بل مؤسسة تؤدي دورًا اقتصاديًا واجتماعيًا في آنٍ واحد.
    التقسيط كحل قانوني عادل
    الحل الذي يحقق التوازن ليس الإعفاء من الالتزام، لأن ذلك قد يهدد استقرار الجهاز المصرفي وحقوق المودعين، وإنما إعادة تنظيم الوفاء عبر:
    تقسيط المديونية على آجال أطول.
    إعادة هيكلة الأقساط بما يتناسب مع الواقع الجديد.
    تأجيل التنفيذ على الضمانات ما دام المدين حسن النية.
    فالتقسيط هنا ليس تفضلاً، بل تطبيق عملي لمبدأ العدالة في الظروف الاستثنائية.

    لماذا لا يكون الإعفاء هو الحل؟
    الإعفاء الكامل قد يبدو إنسانيًا في ظاهره، لكنه يحمل آثارًا خطيرة:
    الإضرار بحقوق المودعين.
    إضعاف الثقة في النظام المصرفي.
    نقل الخسارة من طرف إلى المجتمع كله.
    بينما التقسيط يحقق معادلة أكثر توازنًا: يبقى الالتزام قائمًا، وتُراعى القدرة الواقعية على الوفاء.
    دور القضاء عند النظر في التنفيذ
    عند عرض النزاع أمام المحكمة، يمكن للقضاء — في ضوء الظروف الاستثنائية — أن يراعي:
    طبيعة الحرب وتأثيرها العام.
    حسن نية المدين.
    محاولات السداد الجزئي.
    إمكانية الوفاء مستقبلاً.
    فالقضاء لا يطبق النصوص في فراغ، بل في سياقها الاجتماعي والاقتصادي.
    بيع الرهن: الحل الأخير لا الأول
    يبقى بيع المال المرهون إجراءً مشروعًا قانونًا، لكنه ينبغي أن يظل الملاذ الأخير بعد استنفاد فرص المعالجة الودية وإعادة الهيكلة.
    لأن بيع أصول دُمّرت قيمتها بسبب الحرب قد لا يحقق مصلحة حقيقية لأي طرف:
    البنك قد لا يستوفي كامل دينه،
    والمدين يفقد فرصة التعافي الاقتصادي.

    نحو ثقافة مصرفية في زمن الأزمات :

    المرحلة الراهنة تفرض انتقالًا من منطق التنفيذ السريع إلى منطق إدارة التعثر. فالمصارف التي تساعد عملاءها على التعافي تحمي في الحقيقة محافظها التمويلية على المدى الطويل.
    فالاقتصاد لا يُعاد بناؤه عبر تصفية المشاريع، بل عبر إحيائها متى ما كان ذلك ممكنًا.

    واخيرا فإن في وطننا الذي شهد الحروب والتحديات القاسية، لا يمكن للعدالة أن تُختزل في تطبيق نصوص صماء وإنما يمكن لمؤسساتنا العدلية إعمال قواعد العدالة المنقدحة في الوجدان السليم و استدعاء الموروث من سلطاتها الطبيعية و سوابقنا القضائية التي استقر رأي المحاكم فيها على أن بيع الأموال المرهونة للمصارف في زمن الحرب ليس حلاً أوليًا، بل هو الخيار الأخير حين تستنفد كل السبل. أما الجسر الذي يربط بين الحق والرحمة فهو التقسيط وإعادة الجدولة، لأنه يحافظ على سيادة القانون وفي الوقت ذاته يمنح الفرصة للمدين ليعيد بناء حياته ومشروع.

    فالاقتصاد يُبنى بالأمل والعمل، لا بالتصفيات والإقصاء، والعدالة الحقيقية في السودان تعني أن نحفظ الحقوق ونصون الإنسان في آنٍ واحد. وهكذا، يظل الدين دينًا، والوفاء واجبًا، لكن القلب والعقل لا يغفلان عن رحمتهما بالواقع الذي فرضته الحرب.