بقلم / د. تماضر الحسن
اختصاصي الأمراض النفسية والعصبية- كاتبة
وقفت انا وهي تحت شجرة الليمون ..وحولنا عدد من الصبية والفتيات من اولاد الجيران …اتفقنا علي اننا نلعب (دس دس )
واانطلق الجميع مهرولين …
بقينا انا وصديقتي تحت شجرة الليمون التي تفتح نوارها … شجرة يتيمة تقف لوحدها في حوش البيت …شمس تبرجت في قلب السماء ومنحتنا سخانة فظيعة لم تعبا بها طفولتنا الشقية….
نظرت انا حولي بحثا عن مخبا يناسبنا معا …صافح ناظري حوشهم العريض المفروش رملة نضيفة ….سريرين حديد…. لحاف مطوي باهمال تربعت علي قمته بطانية تاكلت اطرافها ونحل وبرها….كومة من (المروق) القديمة رصت الي جانب الحائط بقربها خردة وشوية كراسي مكسرات ….كراع تربيزة وشوالات .. كافتيرة وصواني قديمة علاها الصدا وكانون ضخم تحطم معدنه شاهد علي قدور وضعت من فوقه سترت حال اصحاب البيت فدفع هو المسكين ثمن سترة الحال هذة ..
فكرت في الاختباء تحتها جرتني صحيتي من يدي وكوركت
( لا ياتماضر ممكن يكون تحت الحطب دا في(دبيب)….امي قالت لينا الكلام دا )
دبيب عديل كدة!!!!
قلبي اتماص …وبلعت ريقي النشف فجاة وعدلت تماما عن فكرتي …وبدات ابحث عن مخبا اخر …لم يخطر علي قلب احد من هؤلاء الصبية الدراويش فاستمتع برؤية خيبة املهم في العثور علينا احنا الجوز
هناك في اخر البيت عندهم اوضة بعيدة تشبه القراش او المخزن ..برقت عيناي عندما رايتها فهذا المخبأ سحري بكل المقاييس …وتوجهت نحوه وصديقتي تحاول ان تمنعني من الوصول اليه … متوعدة ومهددة تارة ومترجية ومتوسلة تارة اخري …
لكن لا شيء يثنيني انا كان درت شيء
وصلت للباب الحديدي القديم الذي يشبه ابواب الدكاكين في السوق الكبير …لقصر قامتي لم استطيع ان افتح الترباس المتيبس العاصي …
لكن لاشيء يثنيني انا
اتيت بطوبتين وضعتهما فوق بعض …وصوت صديقتي ياتيني متهدج من خلفي وسمعتها تقول ان امها لن تغفر لنا ذلك واننا سوف نذوق الامرين ان خطونا داخل هذة الغرفة وكلام كتير لم اعبا له … كلام لم يزدني الا اصرارا علي المضي قدما …كلام اختلط مع صرير الترباس المصدي وانا اعافره لافتح هذة الغرفة العجيبة …
انفتح الباب …
دخلت انا …و صديقتي خلفي كالماخوذ وقد تحول صوتها المتوعد الي همس
ارجعي ياتماضر …قلت ليك ارجعي ….
لكن تماضر كانت خلاص داخل الغرفة ….
المكان مظلم به طاقة قرب السقف يدخلها شيء من شعاع الشمس العاملة حفلة برة دي …. دعكت عينيي لكي اري ….جلت بنظري المشحون بالفضول ورايت ثم رايت شيء يبدو كعفش قديم مركون في نهاية الغرفة بنت عليه العنكبوت بيتها واستوطنت …رايحة عطنة وغبار كثيف يغطي كل شيء …
بالجنبة …وضع عنقريب (مخرطة) عتيق …اجرد الا من حبال تقطعت بهن السبل فاعيد وصلهن بطريقة بائسة ..
وسمعتها
سمعت شيء يئن. … صوت غريب ترك اذني وداهم فؤادي الغض الطفل فلم اخف ..صديقتي خلفي تجمدت كتمثال صغير…نظرت اليها مستفسرة فرايت دمعا يبرق في عينيها وتقدمت باتجاة الصوت …
مخلوق جالس علي الارض
تقدمت اكثر …حبا نحوي …نعم حبا ولم يمشي …تعثر بصحن موضوع علي الارض به بقايا طعام
كوز طلس مطرقع به ماء
وقربه كوم (براز). جاف ..
مددت يدي الصغيرة له فامسكها ووقف …
.
كانت فتاة
عمرها قد يكون في بدايات العقد التالت ….عارية تماما الا من ظلم كساها اياه البشر …نحيلة كما الخيال …شاحبة كعوالمنا التي تعشعش فيها الخرافة ……
نظرت الي وضحكت ضحكة لاتعني شيء …وذبت انا ….
يالقسوتنا …
وسالتها انت اسمك منو ….
همهمت وغمغمت واطلقت ضحكة اخري داوية …نظرت الي صديقتي التي نكست راسها اتي صوتها دامعا
دي صباح اختي يا تماضر
ياطول ليلك يا صباح ….ليل نسجه البشر هؤلاء والبسوك اياه …ليل حيك حولك لاحول لك فيه ولاقوة
نظرت اليها …نظرت الي هي بعينين خاويتين الا من ذعر وقلة حيلة ….نظرة توسدت كبدي ساعتها ولم تفارقني طوال سنين عمري الي تاريخ كتابة هذة الاسطر …نظرة جعلتني انتمي اليها والي من يشبهها …نظرة احزنتني وجعلتني اقودها خارج سجنها تبعتني وهي تقبض علي يدي وجسدها يهتز …
وخرجنا الي الضياء ….
شهقت المسكينة عندما صافح نور الشمس بشرتها التي ماعانقت الضوء يوما …اغمضت عينيها البريئتين لحظة وبقوة وقبضت علي يدي باظفارها الملوثة ببرازها وسال لعابها فوق راسي وبلله …ولم اجفل رغم صغري وواصلت التحديق نحوها
وواصلت هي تحديقها (نحو الشمس)
استمريت انا في تشجيعها علي المسير والخروج من كهف عزلتها هذة … تقدمت خطوتين وتعثرت وسقطت مني ارضا..
لم تحتمل المسكينة كل هذا …فبدات بالصراخ …. صراخا شق عنان السماء واختلط بصوت صديقتي المرتعد بان هذا ماحيعدي علي خير …فشلت كل محاولاتي لاسكات (صباح) وتذكرت قطعة حلوي في جيبي فاخرجتها ونفحتها اياها…لون الحلوي الزاهي وغلافها اللامع شتتا انتباهها لحين …لم تفهم ماذا تفعل بها …فوضعتها انا في فمها واعجبها طعم السكر فطفقت تمضغ ولعايها يبلل صدرها وفرحة حلوة ارتسمت في وجهها …
وفرحت انا …فرحت جدا وجثوت علي ركبتي امامها اتاملها كاني مارايت بشرا قط في حياتي
واتت (امها )…وصدمت عند مشاهدتها للمنظر وتوعدتنا بالويل والثبور وعظايم الامور …اخذت صباح بكل قسوة العالم (او هكذا خلتها) ووضعتها في (سجنها) ذاك واغلقت الباب …
اخذت قلبي معها فوقفت مكاني ارقب ذلك وصديقتي تحرني من كتفي طالبة مني التحرك قبل ماامها تجي بالمفراكة
تحركت انا
وصراخ صباح يشق عنان السماء ويشق فؤادي الغض حينها .
لصغري لم افهم ان صباح مختلفة … لم استطيع ان افهم لماذا فعلت ام صباح هذا … لم احس بشيء غير ذلك الالم الممض الذي اجتاحني من قمة راسي الي اخمص قدمي … رعب شديد تملكني ….سؤال تردد في راسي الصغير حينها …. اذا صرت الي ما صارت اليه صباح …اهكذا سيكون حالي !!!!!
هرولت انا لامي التي كانت تجلس مع النسوة حينها وارتميت في حضنها حتي كدت اصير جزء من نقوش ثوبها الفاتن… تمرغت في حضنها الوثير وعطونة القراش الموحش تسكن مني المسافة التي بين عيني ورمشي .. ونظرت الي عينيها بحثا عن وجه ام صباح ….
حمدا لله لم اجده
فتكرفت عبير رحمتها اكثر
كبرت
وعرفت باي ذنب قتلت صباح
ورايت صباح عند الكثيرين باختلاف درجات المعاناة والمرض … صباح في بيتنا و صباح في الحلة …وعند الاصدقاء …وفي المدرسة … فقوي انتماءي الي عوالمهم …وصفي لهم قلبي …وامتدت جسور تواصل خفيات بيني وبينهم ….. اخترت ان اهب لهم حياتي وان اقضي عمري بينهم ….. افتح باب الحديد المصدي بكل اشكاله ومسمياته واقتادهم نحو الضياء مااوتيت لذلك سبيلا…حتي وان استدعي الامر الي ان ارص كل طوب الارض لاصل لذلك الترباس اللعين في كل حين
لازال( قصري قامتي) يقف امام ا حلامي التي اتمني تحقيقها حيالهم وان كنت لازلت احمل املا انني ساطول كل ذلك
هم صباح فلا تحرموهم من صباح العافية …وصباح محنتكم وتفهمكم ودعمكم ….
الي كل اسرة بها صباح كل المحبة
ملحوظة …
صيغت القصة بطريقة لاتشي باصحابها ….والاسماء من صباح افكاري
تماضر الحسن
طبيبة امراض نفسية ذات شغف خاص بالاطفال اصحاب الاحتياجات الخاصة










إرسال تعليق