أزمة وصعود الشعبوية: حين تتحول الفضيحة إلى وقود سياسي

  • بتاريخ : 22 فبراير، 2026 - 10:50 م
  • الزيارات : 112
  • بقلم/ ميرغني الحبر المحامي

    إذا كان تأخر العدالة أمام النفوذ يزرع الشك، فإن تكرار الشك يحوّله إلى مزاج عام.

    وهنا تنتقل الأزمة من دائرة القضاء إلى ساحة السياسة، ومن سؤال قانوني إلى سؤال هوية وانتماء.

    قضية جيفري إبستين لم تبقَ في حدود ملف جنائي؛ بل أصبحت مادة خطابية تتنازعها السرديات. فكل معسكر قرأها بما يخدم رؤيته المسبقة عن فساد النخب أو تآمر الخصوم. وفي هذه اللحظة تحديداً تبدأ الشعبوية في التمدد.

    من الشك إلى الغضب:

    الثقة هي العمود الفقري الذي تقوم عليه الأنظمة الحديثة.

    عندما يثق المواطن في القضاء، يتقبل قراراته حتى لو خالفت ميوله.

    وعندما يثق في الإعلام، يميّز بين الخبر والتحريض.

    لكن حين تتراكم الشبهات حول النخبة — سواء ثبتت كلها أو بعضها — يتولد شعور بأن النظام لا يعمل بالتساوي. هذا الشعور لا يبقى محايداً؛ بل يتحول إلى غضب سياسي يبحث عن من يعبّر عنه.

    وهنا تظهر الشعبوية بوصفها خطاباً بسيطاً ومباشراً:

    “النخبة فاسدة”

    “المؤسسات منحازة”

    “الشعب وحده مصدر الحقيقة”

    تسييس الأخلاق

    في مناخ الاستقطاب، لا تعود الفضيحة واقعة أخلاقية مشتركة التعريف ، بل تصبح سلاحاً.

    فأنصار تيارات ارتبطت بشخصيات مثل دونالد ترامب يرون في مثل هذه القضايا دليلاً على فساد “المؤسسة التقليدية”، بينما تستعمل أحزاب أوروبية كـ حزب البديل من أجل ألمانيا والتجمع الوطني خطاباً مشابهاً لتأكيد فكرة الانفصال بين الشعب والنخبة.

    المشكلة هنا ليست في النقد — فالنقد ضرورة صحية —

    بل في تحوّل الأخلاق إلى أداة تعبئة انتخابية.

    عندها لا يُبحث عن الحقيقة بقدر ما يُبحث عن مكسب سردي.

    الاستقطاب كمرحلة حضارية

    التاريخ يُظهر أن المجتمعات تمر بلحظات يفقد فيها المركز توازنه، فينشأ استقطاب حاد بين أطراف متعارضة.

    وفي هذه اللحظات تصبح الثقة بالمؤسسات أضعف من الثقة بالزعيم أو الجماعة.

    إذا كانت الفضيحة تكشف خللاً، فإن الاستقطاب يمنع إصلاحه؛ لأنه يعيد تفسير كل خطوة بوصفها مؤامرة أو انتقاماً سياسياً. وهكذا يدخل المجتمع دائرة مغلقة:

    • فضيحة تولد شكاً
    • الشك يولد غضباً
    • الغضب يولد شعبوية
    • الشعبوية تعمق الشك في المؤسسات

    بين التصحيح والانزلاق

    لا يعني صعود الشعبوية أن الانحدار حتمي؛ فبعض الأزمات تدفع المجتمعات إلى إعادة تعريف قواعدها وتحصين مؤسساتها. لكن الخطر يكمن حين يُستبدل الإصلاح بالخطاب الديماغوجي، والحقيقة بالشعار الاجوف.

    الحضارات لا تضعف بسبب وجود معارضة غاضبة،

    بل حين تفقد القدرة على إنتاج أرضية مشتركة تُحتكم إليها الخلافات.

    خاتمة

    أزمة الثقة أخطر من الفضيحة نفسها؛ لأنها تمس الرابط الذي يجمع المجتمع بمؤسساته.

    فإن أُعيد بناء هذا الرابط عبر شفافية ومحاسبة متوازنة، تحولت الأزمة إلى لحظة مراجعة.

    وإن تُركت لتغذي الانقسام، أصبحت خطوة إضافية في مسار التآكل البطيء.

    وفي المقال القادم نعود خطوة إلى الوراء لنسأل:

    كيف تعاملت الحضارات السابقة مع لحظات مشابهة من فقدان الثقة؟ وهل كان الاستقطاب دائماً مقدمة للسقوط؟

    وعلى توفيقه نستمر.

    مقالات ذات صلة

    توجهات مريبة في سياسات وزير المعادن
    يوليو 26, 2026

    توجهات مريبة في سياسات وزير المعادن

    عازه ايرا إعلامية- كاتبة صحافية ما هي دوافع الوزير للهيمنة على ملف المسؤولية المجتمعية..؟؟؟!! ما زال وزير المعادن يصر على نهجه في محاولة الاستيلاء علي حقوق الغير و المجتمعات المحلية المستضيفة لأنشطة التعدين ، لم يكتفِ بذلك بل يتطلع اليوم للمساس بملف المسؤولية المجتمعية و يطالب خلال ملتقى التعدين بمركزتها ليس في المعادن فقط بل […]

    من أم سيالة إلى بارا وجبرة الشيخ… خارطة النصر تُرسم بالنار
    يوليو 26, 2026

    من أم سيالة إلى بارا وجبرة الشيخ… خارطة النصر تُرسم بالنار

    مسارب الضي || د. محمد تبيدي لم تعد معارك كردفان مجرد اشتباكات متفرقة على أطراف المدن والقرى، بل أصبحت عمليات عسكرية متسلسلة تعيد رسم الخريطة الميدانية في غرب السودان. ومع إعلان تحرير أم سيالة ثم بارا وجبرة الشيخ، تدخل القوات المسلحة مرحلة جديدة عنوانها إحكام السيطرة على المفاصل الاستراتيجية، والانتقال من الدفاع إلى فرض زمام […]

    قد فهمتُ ولكنني أستمتع بسماع الخبر!
    يوليو 26, 2026

    قد فهمتُ ولكنني أستمتع بسماع الخبر!

    بقلم/صبري محمد علي (العيكورة) الليلة …. تحرير بارا أم سيالة ام قرفة جبرة الشيخ الجيش يُعلن والمشتركة تُعلن و (الوسائط) ترقص منذ صباح اليوم وكاتب هذه السطور يطرق الأبواب باباً باب عسكريين و مدنيين *(ياساري الليل ما شفتو عوض)*؟ والجواب هو الجواب الذي تفضحة وتسبقة الضحكة والإبتسامة العريضة الموشحة بالتكبير بارا أم سيالة جبرة الشيخ […]

    الحضارة تبدأ من الإنسان
    يوليو 25, 2026

    الحضارة تبدأ من الإنسان

    بقلم: نجلاء كرار كثيرًا ما نربط الحضارة بالأبراج الشاهقة، والطرق الواسعة، والتكنولوجيا المتقدمة، لكنني بعد سنوات من العيش بين مجتمعات وثقافات مختلفة، أدركت أن الحضارة الحقيقية لا تبدأ من الحجر، بل من الإنسان. لقد عشت في السودان، ثم في جمهورية الدومينيكان، وأخيرًا في هولندا. وفي كل بلد تعلمت درسًا جديدًا. لم أبحث عن المجتمع الكامل، […]

    إرسال تعليق

    • التعليقات التي تقوم بإرسالها سيتم نشرها بعد موافقة فريق الإدارة.
    • الرسائل التي تحتوي على افتراء أو اتهام لن يتم نشرها.
    • الرسائل التي تكون بغير اللغة العربية أو غير مرتبطة بالموضوع لن يتم نشرها.