إذا كانت الفضيحة تكشف الشروخ، فإن تأخر العدالة يكشف عمقها

  • بتاريخ : 20 فبراير، 2026 - 11:19 م
  • الزيارات : 123
  • النخبة والامتياز: حين يتأخر القانون أمام النفوذ

    بقلم /ميرغنى الحبر المحامي

    إذا كانت الفضيحة تكشف الشروخ، فإن تأخر العدالة يكشف عمقها.

    فالقانون، في أي حضارة حيه ، ليس مجرد نصوص مكتوبة، بل هو تعبير عن مبدأ جوهري: المساواة أمامه. وعندما يظهر انطباع عام بأن هذا المبدأ يتباطأ أو يتردد أمام أصحاب النفوذ، فإن المسألة تتجاوز الواقعة إلى بنية السلطة ذاتها.

    قضية جيفري إبستين أعادت طرح سؤال قديم متجدد:

    هل تتساوى الأقدام عند عتبة القضاء، أم أن الثروة والعلاقات قادرة على إطالة المسافة؟

    النخبة بين الدور والامتياز:

    في النظرية السياسية الحديثة، النخبة ليست شراً في ذاتها.

    فكل مجتمع يحتاج إلى طبقة قيادية — سياسية، فكرية، اقتصادية — تدير شؤونه وتتحمل مسؤولياته. لكن الخطر يبدأ حين تتحول القيادة إلى امتياز مغلق، لا يُسأل ولا يُراجع.

    هنا تتبدل المعادلة:

    من نخبة تُحتذى

    إلى نخبة تُستثنى

    والاستثناء هو البذرة الأولى لفقدان الشرعية.

    لقد أشار المؤرخ أرنولد توينبي إلى أن الحضارات تنهض حين تقدم أقليتها المبدعة نموذجاً أخلاقياً، لكنها تبدأ بالانحدار حين تتحول تلك الأقلية إلى أقلية مهيمنة تعيش فوق النقد. وكذلك رأى أوزوالد شبنجلر أن الأفول يبدأ عندما تبقى المؤسسات بينما يتآكل مضمونها الروحي.

    بطء العدالة: عرض أم بنية؟:

    تأخر المحاسبة في القضايا التي تمس دوائر النفوذ يثير دائماً تساؤلات مزدوجة:

    هل الخلل في الأفراد؟

    أم في تشابك المصالح الذي يجعل المؤسسات أكثر حذراً حين تقترب من مراكز القوة؟

    العدالة البطيئة قد تكون نتيجة تعقيد قانوني مشروع،

    لكنها حين تتكرر في دوائر معينة، تتحول من إشكال إجرائي إلى أزمة ثقة.

    والحضارات الحديثة قائمة — قبل كل شيء — على الثقة:

    ثقة المواطن بأن القانون لا يفرق بين قوي وضعيف. فإذا تزعزعت هذه الثقة، فإن أثرها لا يقف عند حدود القضاء، بل يمتد إلى العقد الاجتماعي نفسه.

    الامتياز كقابلية للانفصال عن المجتمع:

    حين تشعر النخبة بأنها محصنة، تنفصل تدريجياً عن المزاج الأخلاقي العام.

    وهذا الانفصال أخطر من الفساد ذاته؛ لأنه يخلق عالمين متوازيين:

    عالم القواعد العامة

    وعالم الاستثناءات الخاصة

    ومتى ترسخ الشعور بوجود هذين العالمين، تبدأ الشرعية بالتآكل الصامت.

    بين القانون والضمير:

    القانون هو الضابط الخارجي،

    لكن الضمير— أو المنظومة القيمية العليا — هو الضابط الداخلي.

    فإذا ضعف الضبط الداخلي داخل النخبة، يصبح القانون آخر الحواجز.

    وإذا تباطأ هذا الحاجز أو بدا متردداً، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع خطيرة:

    أن النفوذ قادر على شراء الزمن.

    والزمن في قضايا العدالة ليس تفصيلاً؛ لأنه كلما طال، تراجعت القناعة بالمساواة.

    خاتمة

    ليست المشكلة في وجود نخبة، ولا في تعقيد الإجراءات القانونية،

    بل في اللحظة التي يشعر فيها المجتمع بأن العدالة تتريث أمام القوي أكثر مما تتريث أمام الضعيف.

    تلك اللحظة لا تسقط الحضارة فوراً، لكنها تفتح باب السؤال:

    هل ما تزال النخبة جزءاً من العقد الأخلاقي العام،

    أم بدأت تتحرك فوقه؟

    وفي المقال القادم سننتقل خطوة أخرى:

    كيف تتحول أزمة الثقة في النخبة إلى وقود للشعبوية والاستقطاب؟

    وعلى توفيقه نمضي.

    مقالات ذات صلة

    توجهات مريبة في سياسات وزير المعادن
    يوليو 26, 2026

    توجهات مريبة في سياسات وزير المعادن

    عازه ايرا إعلامية- كاتبة صحافية ما هي دوافع الوزير للهيمنة على ملف المسؤولية المجتمعية..؟؟؟!! ما زال وزير المعادن يصر على نهجه في محاولة الاستيلاء علي حقوق الغير و المجتمعات المحلية المستضيفة لأنشطة التعدين ، لم يكتفِ بذلك بل يتطلع اليوم للمساس بملف المسؤولية المجتمعية و يطالب خلال ملتقى التعدين بمركزتها ليس في المعادن فقط بل […]

    من أم سيالة إلى بارا وجبرة الشيخ… خارطة النصر تُرسم بالنار
    يوليو 26, 2026

    من أم سيالة إلى بارا وجبرة الشيخ… خارطة النصر تُرسم بالنار

    مسارب الضي || د. محمد تبيدي لم تعد معارك كردفان مجرد اشتباكات متفرقة على أطراف المدن والقرى، بل أصبحت عمليات عسكرية متسلسلة تعيد رسم الخريطة الميدانية في غرب السودان. ومع إعلان تحرير أم سيالة ثم بارا وجبرة الشيخ، تدخل القوات المسلحة مرحلة جديدة عنوانها إحكام السيطرة على المفاصل الاستراتيجية، والانتقال من الدفاع إلى فرض زمام […]

    قد فهمتُ ولكنني أستمتع بسماع الخبر!
    يوليو 26, 2026

    قد فهمتُ ولكنني أستمتع بسماع الخبر!

    بقلم/صبري محمد علي (العيكورة) الليلة …. تحرير بارا أم سيالة ام قرفة جبرة الشيخ الجيش يُعلن والمشتركة تُعلن و (الوسائط) ترقص منذ صباح اليوم وكاتب هذه السطور يطرق الأبواب باباً باب عسكريين و مدنيين *(ياساري الليل ما شفتو عوض)*؟ والجواب هو الجواب الذي تفضحة وتسبقة الضحكة والإبتسامة العريضة الموشحة بالتكبير بارا أم سيالة جبرة الشيخ […]

    الحضارة تبدأ من الإنسان
    يوليو 25, 2026

    الحضارة تبدأ من الإنسان

    بقلم: نجلاء كرار كثيرًا ما نربط الحضارة بالأبراج الشاهقة، والطرق الواسعة، والتكنولوجيا المتقدمة، لكنني بعد سنوات من العيش بين مجتمعات وثقافات مختلفة، أدركت أن الحضارة الحقيقية لا تبدأ من الحجر، بل من الإنسان. لقد عشت في السودان، ثم في جمهورية الدومينيكان، وأخيرًا في هولندا. وفي كل بلد تعلمت درسًا جديدًا. لم أبحث عن المجتمع الكامل، […]

    إرسال تعليق

    • التعليقات التي تقوم بإرسالها سيتم نشرها بعد موافقة فريق الإدارة.
    • الرسائل التي تحتوي على افتراء أو اتهام لن يتم نشرها.
    • الرسائل التي تكون بغير اللغة العربية أو غير مرتبطة بالموضوع لن يتم نشرها.