إذا كانت الفضيحة تكشف الشروخ، فإن تأخر العدالة يكشف عمقها

  • بتاريخ : 20 فبراير، 2026 - 11:19 م
  • الزيارات : 108
  • النخبة والامتياز: حين يتأخر القانون أمام النفوذ

    بقلم /ميرغنى الحبر المحامي

    إذا كانت الفضيحة تكشف الشروخ، فإن تأخر العدالة يكشف عمقها.

    فالقانون، في أي حضارة حيه ، ليس مجرد نصوص مكتوبة، بل هو تعبير عن مبدأ جوهري: المساواة أمامه. وعندما يظهر انطباع عام بأن هذا المبدأ يتباطأ أو يتردد أمام أصحاب النفوذ، فإن المسألة تتجاوز الواقعة إلى بنية السلطة ذاتها.

    قضية جيفري إبستين أعادت طرح سؤال قديم متجدد:

    هل تتساوى الأقدام عند عتبة القضاء، أم أن الثروة والعلاقات قادرة على إطالة المسافة؟

    النخبة بين الدور والامتياز:

    في النظرية السياسية الحديثة، النخبة ليست شراً في ذاتها.

    فكل مجتمع يحتاج إلى طبقة قيادية — سياسية، فكرية، اقتصادية — تدير شؤونه وتتحمل مسؤولياته. لكن الخطر يبدأ حين تتحول القيادة إلى امتياز مغلق، لا يُسأل ولا يُراجع.

    هنا تتبدل المعادلة:

    من نخبة تُحتذى

    إلى نخبة تُستثنى

    والاستثناء هو البذرة الأولى لفقدان الشرعية.

    لقد أشار المؤرخ أرنولد توينبي إلى أن الحضارات تنهض حين تقدم أقليتها المبدعة نموذجاً أخلاقياً، لكنها تبدأ بالانحدار حين تتحول تلك الأقلية إلى أقلية مهيمنة تعيش فوق النقد. وكذلك رأى أوزوالد شبنجلر أن الأفول يبدأ عندما تبقى المؤسسات بينما يتآكل مضمونها الروحي.

    بطء العدالة: عرض أم بنية؟:

    تأخر المحاسبة في القضايا التي تمس دوائر النفوذ يثير دائماً تساؤلات مزدوجة:

    هل الخلل في الأفراد؟

    أم في تشابك المصالح الذي يجعل المؤسسات أكثر حذراً حين تقترب من مراكز القوة؟

    العدالة البطيئة قد تكون نتيجة تعقيد قانوني مشروع،

    لكنها حين تتكرر في دوائر معينة، تتحول من إشكال إجرائي إلى أزمة ثقة.

    والحضارات الحديثة قائمة — قبل كل شيء — على الثقة:

    ثقة المواطن بأن القانون لا يفرق بين قوي وضعيف. فإذا تزعزعت هذه الثقة، فإن أثرها لا يقف عند حدود القضاء، بل يمتد إلى العقد الاجتماعي نفسه.

    الامتياز كقابلية للانفصال عن المجتمع:

    حين تشعر النخبة بأنها محصنة، تنفصل تدريجياً عن المزاج الأخلاقي العام.

    وهذا الانفصال أخطر من الفساد ذاته؛ لأنه يخلق عالمين متوازيين:

    عالم القواعد العامة

    وعالم الاستثناءات الخاصة

    ومتى ترسخ الشعور بوجود هذين العالمين، تبدأ الشرعية بالتآكل الصامت.

    بين القانون والضمير:

    القانون هو الضابط الخارجي،

    لكن الضمير— أو المنظومة القيمية العليا — هو الضابط الداخلي.

    فإذا ضعف الضبط الداخلي داخل النخبة، يصبح القانون آخر الحواجز.

    وإذا تباطأ هذا الحاجز أو بدا متردداً، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع خطيرة:

    أن النفوذ قادر على شراء الزمن.

    والزمن في قضايا العدالة ليس تفصيلاً؛ لأنه كلما طال، تراجعت القناعة بالمساواة.

    خاتمة

    ليست المشكلة في وجود نخبة، ولا في تعقيد الإجراءات القانونية،

    بل في اللحظة التي يشعر فيها المجتمع بأن العدالة تتريث أمام القوي أكثر مما تتريث أمام الضعيف.

    تلك اللحظة لا تسقط الحضارة فوراً، لكنها تفتح باب السؤال:

    هل ما تزال النخبة جزءاً من العقد الأخلاقي العام،

    أم بدأت تتحرك فوقه؟

    وفي المقال القادم سننتقل خطوة أخرى:

    كيف تتحول أزمة الثقة في النخبة إلى وقود للشعبوية والاستقطاب؟

    وعلى توفيقه نمضي.

    مقالات ذات صلة

    خطة متكاملة لمعالجة مشكلة تلف وضياع الأمتعة في المطارات السودانية
    يونيو 2, 2026

    خطة متكاملة لمعالجة مشكلة تلف وضياع الأمتعة في المطارات السودانية

    بقلم/ د. سعاد فقيري رؤية لتطوير خدمات النقل الجوي وحماية حقوق المسافرين. تُعد مشكلة ضياع الأمتعة أو تلفها من أكثر المشكلات التي تؤثر على سمعة المطارات وشركات الطيران، وتنعكس بصورة مباشرة على رضا المسافرين وثقتهم في منظومة النقل الجوي. وفي ظل توجه السودان نحو إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية وتهيئة المطارات لاستقبال حركة السفر المتزايدة، […]

    أربعة دقائق لخّصت كيف تُدار الحكومة
    يونيو 2, 2026

    أربعة دقائق لخّصت كيف تُدار الحكومة

    بقلم/صبري محمد علي (العيكورة) معقول يا جماعة … أن يقف رئيس مجلس الوزراء مُمسِّكاً بوريقة يقرأ منها توجيهاته أثناء زيارة له لمطار بورتسودان ! معقول يا جماعة …. يأتي التوجية على الهواء الطلق بعيداً عن المؤسسية والقنوات التي يُفترض أن تُخاطب الجمارك والجوازات بأن عليهم زيادة العدد !!.. يا جماعة دي دولة ! فأين الآليات […]

    مبروك التحدي… حين تصنع العزيمة طريقها إلى المجد
    يونيو 2, 2026

    مبروك التحدي… حين تصنع العزيمة طريقها إلى المجد

    بقلم / الطيب مضوي شيقوق على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ وتعظمُ في عينِ الصغيرِ صغارُها وتصغرُ في عينِ العظيمِ العظائمُ هكذا علّمنا المتنبي أن الإنجازات العظيمة لا يصنعها إلا أصحاب العزائم الكبيرة. وعندما نحتفي اليوم بانتصار فريق التحدي، فإننا لا نحتفي بنتيجة مباراة فحسب، وإنما نحتفي بقصة من قصص […]

    السودان وعلل الفشل في بناء الدولة(6)
    يونيو 2, 2026

    السودان وعلل الفشل في بناء الدولة(6)

    بقلم / م. مامون محمد الطيب عمر الحلقة السادسة المزيج المتنوع من التركيب الطبيعي للمناخ و الطبوغرافية تماهت معه البنية الإجتماعية للسكان بتسلسلها الهرمي من القبيلة والعشائر تحت مظلتها ثم العوائل أو خشوم البيوت و الحيشان و الأسر الأصغر والأفراد .. فالمساحات الواسعة المتاحة وقلة عدد السكان إحتاجات لهذا الترتيب الإجتماعي لإستثمارها رعيا وزراعة وحفظ […]

    إرسال تعليق

    • التعليقات التي تقوم بإرسالها سيتم نشرها بعد موافقة فريق الإدارة.
    • الرسائل التي تحتوي على افتراء أو اتهام لن يتم نشرها.
    • الرسائل التي تكون بغير اللغة العربية أو غير مرتبطة بالموضوع لن يتم نشرها.