إذا كانت الفضيحة تكشف الشروخ، فإن تأخر العدالة يكشف عمقها

  • بتاريخ : 20 فبراير، 2026 - 11:19 م
  • الزيارات : 92
  • النخبة والامتياز: حين يتأخر القانون أمام النفوذ

    بقلم /ميرغنى الحبر المحامي

    إذا كانت الفضيحة تكشف الشروخ، فإن تأخر العدالة يكشف عمقها.

    فالقانون، في أي حضارة حيه ، ليس مجرد نصوص مكتوبة، بل هو تعبير عن مبدأ جوهري: المساواة أمامه. وعندما يظهر انطباع عام بأن هذا المبدأ يتباطأ أو يتردد أمام أصحاب النفوذ، فإن المسألة تتجاوز الواقعة إلى بنية السلطة ذاتها.

    قضية جيفري إبستين أعادت طرح سؤال قديم متجدد:

    هل تتساوى الأقدام عند عتبة القضاء، أم أن الثروة والعلاقات قادرة على إطالة المسافة؟

    النخبة بين الدور والامتياز:

    في النظرية السياسية الحديثة، النخبة ليست شراً في ذاتها.

    فكل مجتمع يحتاج إلى طبقة قيادية — سياسية، فكرية، اقتصادية — تدير شؤونه وتتحمل مسؤولياته. لكن الخطر يبدأ حين تتحول القيادة إلى امتياز مغلق، لا يُسأل ولا يُراجع.

    هنا تتبدل المعادلة:

    من نخبة تُحتذى

    إلى نخبة تُستثنى

    والاستثناء هو البذرة الأولى لفقدان الشرعية.

    لقد أشار المؤرخ أرنولد توينبي إلى أن الحضارات تنهض حين تقدم أقليتها المبدعة نموذجاً أخلاقياً، لكنها تبدأ بالانحدار حين تتحول تلك الأقلية إلى أقلية مهيمنة تعيش فوق النقد. وكذلك رأى أوزوالد شبنجلر أن الأفول يبدأ عندما تبقى المؤسسات بينما يتآكل مضمونها الروحي.

    بطء العدالة: عرض أم بنية؟:

    تأخر المحاسبة في القضايا التي تمس دوائر النفوذ يثير دائماً تساؤلات مزدوجة:

    هل الخلل في الأفراد؟

    أم في تشابك المصالح الذي يجعل المؤسسات أكثر حذراً حين تقترب من مراكز القوة؟

    العدالة البطيئة قد تكون نتيجة تعقيد قانوني مشروع،

    لكنها حين تتكرر في دوائر معينة، تتحول من إشكال إجرائي إلى أزمة ثقة.

    والحضارات الحديثة قائمة — قبل كل شيء — على الثقة:

    ثقة المواطن بأن القانون لا يفرق بين قوي وضعيف. فإذا تزعزعت هذه الثقة، فإن أثرها لا يقف عند حدود القضاء، بل يمتد إلى العقد الاجتماعي نفسه.

    الامتياز كقابلية للانفصال عن المجتمع:

    حين تشعر النخبة بأنها محصنة، تنفصل تدريجياً عن المزاج الأخلاقي العام.

    وهذا الانفصال أخطر من الفساد ذاته؛ لأنه يخلق عالمين متوازيين:

    عالم القواعد العامة

    وعالم الاستثناءات الخاصة

    ومتى ترسخ الشعور بوجود هذين العالمين، تبدأ الشرعية بالتآكل الصامت.

    بين القانون والضمير:

    القانون هو الضابط الخارجي،

    لكن الضمير— أو المنظومة القيمية العليا — هو الضابط الداخلي.

    فإذا ضعف الضبط الداخلي داخل النخبة، يصبح القانون آخر الحواجز.

    وإذا تباطأ هذا الحاجز أو بدا متردداً، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع خطيرة:

    أن النفوذ قادر على شراء الزمن.

    والزمن في قضايا العدالة ليس تفصيلاً؛ لأنه كلما طال، تراجعت القناعة بالمساواة.

    خاتمة

    ليست المشكلة في وجود نخبة، ولا في تعقيد الإجراءات القانونية،

    بل في اللحظة التي يشعر فيها المجتمع بأن العدالة تتريث أمام القوي أكثر مما تتريث أمام الضعيف.

    تلك اللحظة لا تسقط الحضارة فوراً، لكنها تفتح باب السؤال:

    هل ما تزال النخبة جزءاً من العقد الأخلاقي العام،

    أم بدأت تتحرك فوقه؟

    وفي المقال القادم سننتقل خطوة أخرى:

    كيف تتحول أزمة الثقة في النخبة إلى وقود للشعبوية والاستقطاب؟

    وعلى توفيقه نمضي.

    مقالات ذات صلة

    عندما ندرك الحقيقة…. نبلغ الإصلاح ونحارب الفساد…!
    أبريل 17, 2026

    عندما ندرك الحقيقة…. نبلغ الإصلاح ونحارب الفساد…!

    بقلم / العليش الطريفي محمد أن حقيقة الاشياء هى أصل الشيء وفصله دون أن تمسها تغييرات ويعتريها تبديل أو تحويل عن اصلها ، لذلك تبقى الحقيقة مجردة من أى تحورات أو تطورات تغير مضمونها وتشوه أصلها. فأصل الحقيقة هو المضمون فى معرفة الأصل وتفاصيله حتى لا يختلط أصل الشيء بتقليده ويصبح الأصل متغيرا والتقليد ليصبح […]

    (إمتحان الشهادة الإبتدائية) سفارتنا بالرياض و قد أعلنتها فأين قنصليتنا بجدة؟*
    أبريل 17, 2026

    (إمتحان الشهادة الإبتدائية) سفارتنا بالرياض و قد أعلنتها فأين قنصليتنا بجدة؟*

    بقلم/صبري محمد علي (العيكورة) في (إعلان مهم) ورغم ان اليوع عطلة فقد أعلنت سفارتنا بالرياض لأولياء الأمور عن بدء التسجيل للطلاب الراغبين في الجلوس لإمتحان الشهادة الإبتدائية بمركز(الرياض) كخطوة إستباقية لحصر العدد ريثما تصل موافقة وزارة التعليم والتربية الوطنية بإقامة الإمتحانات بمركز الرياض سعادة السفير دفع الله عودنا بقبول التحدي في مثل هذه المواقف الصعبة […]

    من دفاتر الزمن الجميل…رحلة العمر و مشوار السنين (7)
    أبريل 17, 2026

    من دفاتر الزمن الجميل…رحلة العمر و مشوار السنين (7)

    بقلم الطيب مضوي شيقوق كاتب – روائي – محامي الحلقة السابعة ذاكرة النهر والمواسم: الدندر كما كانت تُروى لم تكن الدندر وقراها مجرد امتدادٍ جغرافيٍّ على الخريطة، بل كانت فضاءً تتشكل فيه الحياة كل عام من جديد، حين تمتزج السماء بالأرض في لحظةٍ كأنها وعدٌ قديم، فتنهض الأرض من سكونها، وتستعيد المواسم نبضها الأول. هناك، […]

    *هل عجزت آمنة أم ضاع صبري ؟ قضية شركات المشرّف*
    أبريل 17, 2026

    *هل عجزت آمنة أم ضاع صبري ؟ قضية شركات المشرّف*

    بقلم/صبري محمد علي (العيكورة)     والسيدة آمنة ميرغني هي محافظ بنك السودان الحالي وصبري لك حرية أخذها بالمعنيين والقصة …. سبق أن كتبنا عنها بتاريخ العاشر من يناير الماضي أي قبل ثلاثة أشهر و(غرابة) القصة …. تكمن في عدم تنفيذ أحكام القضاء وإذا إستصحبنا أن بنك السودان (كانت) على إدارته (قحط) فما باله و […]

    إرسال تعليق

    • التعليقات التي تقوم بإرسالها سيتم نشرها بعد موافقة فريق الإدارة.
    • الرسائل التي تحتوي على افتراء أو اتهام لن يتم نشرها.
    • الرسائل التي تكون بغير اللغة العربية أو غير مرتبطة بالموضوع لن يتم نشرها.