بقلم / د.ناهد محمد الحسن
كنت على وشك النوم حين طالعت فيديو لشيخ الامين، اعادني مرة اخرى للكتابة. في هذا الفيديو (تجده في اول تعليق) يستغرب شيخ الامين من الحملة الشرسة الموجهة ضده، وهو الذي نذر نفسه وماله للوقوف مع السودانيين في زمن الحرب.
وفي زمن كالذي يختبره السودانيون الان، لا تُقاس المجتمعات فقط بما تقوله نخبها أو بما تفعله دولتها، وإنما بما يُبقي الناس أحياء: خبزٌ، وماء، وأمان نسبي، وإحساس بأن أحدًا ما، لا يزال يرى الإنسان، لا الموقف.
هنا تحديدًا يظهر دور شخصيات مثل شيخ الأمين عمر الأمين، لا بوصفه رمزًا سياسيًا، وإنما كفاعل اجتماعي في فراغ تركته الدولة.
الصوفية في السودان، تاريخيًا، لم تكن مجرد ممارسة روحية أو طقس ديني. كانت مؤسسة اجتماعية غير رسمية، اسهمت في تشكيل السودانيين، وعيهم ومنظومتهم القيمية. فهي تُعلّم الزهد مع الغنى… الكرم كفعل طبيعي يومي وواجب.. التواضع بعزة نفس وليس الخضوع المذل… والأدب مع الكبير.
وكانت – في الشدائد – ملاذًا للغريب، والمطرود، والخائف، والمهزوم نفسيًا، حين تعجز الاسرة عن الحماية ويفلس المجتمع وتغيب الدولة أو تتغيب.
في زمن الحرب الحالية، عاد هذا الدور إلى الواجهة مدفوعا بقسوة الواقع، لكن مستهديا برومانسية التاريخ.
تحوّل مسيد شيخ الأمين في أم درمان إلى مساحة حياة وسط الموت.إطعام يومي، لثلاثة وجبات بدون عد ولا يطلب نقد. بذات إرث التكايا في العطاء كما عرفناه والفناه..علاج، مياه، مأوى، وأذن تسمع في زمن يفيض فيه الضجيج ويغيب فيه الإصغاء.
هذا ليس توصيفًا إنشائيًا، ولكن وظيفة اجتماعية واضحة أدّتها الصوفية حين فشلت الدولة في أبسط مهامها. ولم يبتدعها شيخ الامين فهي إرث صوفي قديم في السودان، قدم الاسلام فيه والذي تجذر فيه على ايقاع النوبات وتزاحم الرايات ومسايد اهل الله.
لماذا يتعرّض شيخ الأمين لكل هذا الهجوم؟
الهجوم الذي تعرّض له شيخ الأمين من قِبل تيارات إسلاموية وإعلامية – وعلى رأسها منصات محسوبة على الكيزان– لا يمكن فصله عن منطق الحرب نفسه.
في زمن الاستقطاب الحاد، يصبح كل فعل إنساني موضع شك، وكل حياد جريمة، وكل إغاثة “اصطفافًا”.
من منظور علم النفس السياسي، ما يحدث هنا هو آلية معروفة:
حين تعجز الجماعات الأيديولوجية عن السيطرة على المجال الأخلاقي، تسعى إلى تلويثه.
والصوفية – بطبيعتها العابرة للاستقطاب، غير القابلة للضبط الحزبي – تمثل تهديدًا لهذا المنطق، لأنها تُذكّر الناس بأن الإنسان أسبق من المشروع.
اللافت أن الهجوم لم يأتِ من موقع مساءلة شفافة، وإنما من موقع تخوين وتحقير وتجريد أخلاقي.
وهذا بحد ذاته مؤشر خطير. فمن يعمل في الإغاثة زمن الحرب لا يُحاسَب أولًا على “موقفه السياسي”، ولكن يُسأل هل يميّز؟ هل يقصي؟ هل يؤذي؟ والإجابات الميدانية – حتى الآن – لا تسند سردية الاتهام بقدر ما تكشف عن ضيقها.
قراءة علمية: ماذا يعني هذا الدور اجتماعيًا؟
من منظور علم الاجتماع، ما يقوم به شيخ الأمين يمثّل نموذجًا لما يُعرف بـالبدائل المجتمعية للدولة المنهارة. فحين تنهار المؤسسات الرسمية، لا تختفي الحاجة، لكن تنتقل إلى الفضاء الأهلي والديني. وهنا تبرز تكايا شيخ الامين كسند للناس في زمن الخراب والانهيار.
ومن منظور علم نفس المجتمعات المقهورة، فإن الإطعام، والاحتواء، والاستمرار في المكان نفسه رغم الخطر، يُعيد للناس إحساسًا بالاستمرارية والكرامة.
ليس لأنه “حل”، وإنما لأنه كسر لشعور العدم الذي تصنعه الحرب. تكايا شيخ الامين بمثابة anchor مثبت من التوهان..يعيد الاحساس بالامان والمعنى ويمنح السند للذات التي تعصف بها الحرب والصدمة.
اذن هنا لا يفترض ان نسأل عن ميول شيخ الامين السياسية..فعبر تاريخ الصوفية في السودان كانت المسايد والتكايا على هذه الخال في السلم والحرب. وشيخ الامين انما هو امتداد شجاع وامين اسم على مسمى لتاريخ مؤسسته التي تخرج منها.
وإن كان لابد من سؤال، اليس من الاجدى ان نسأل لماذا أصبح مسيد صوفي هو من يطعم ويؤوي ويعالج، ويواري سوءة المقتولين على قارعة الطريق ، بينما الدولة غائبة، متورطة أو عاجزة؟
نقد ضروري… دون إسقاط أخلاقي
هذا المقال لا يقدّم شيكًا على بياض لأي شخص أو مؤسسة.
الصوفية – كغيرها – ليست فوق النقد، وشيخ الأمين ليس معصومًا من الخطأ أو الجدل.
لكن النقد الجاد لا يُبنى على حملات تشويه، ولا على محاكمات نوايا، ولا على محاولات إسكاته لأنه لا يخدم سردية الحرب.
الخلط بين العمل الإنساني والاصطفاف السياسي في زمن الحرب ليس فقط ظلمًا للأفراد، وإنما تدمير لما تبقّى من المجال الأخلاقي العام.
شيخ الأمين… بوصفه مرآة لا بديلاً
الأخطر في هذه الحملة ليس استهداف شيخ الأمين كشخص، وإنما استهداف الفكرة التي يمثلها، وهي ببساطة أن المجتمع قادر – رغم كل شيء – على إنتاج تضامن لا يخضع للثكنة ولا للمنصة. هذه هي المرآة التي اوضحت انه لا تعمى العيون ولكن القلوب التي في الصدور.
شيخ الأمين هو “السودان” كما نعرفه، ليس لأنه كامل، وإنما لأنه يشبه السودانيين حين يُتركوا وحيدين في الشدة. اناس يطعمون …يحمون بعضهم بما تبقّى من قيم..يُرمّمون الخراب بصبر ..لوجه الله تعالى ولخاطر ما ألفوه وما تربووا عليه..فطوبى لهم.
ختاما:
الدفاع عن شيخ الأمين ليس دفاعًا عن شخص، وإنما دفاع عن حق المجتمع في أن يتنفّس خارج منطق الحرب…ونحن نحب من يدافع عن السودانيين ويطيب خاطرهم ويسندهم.. وحين تُهاجم الصوفية لأنها أطعمَت وأوَت وعالجت، فالمشكلة ليست في الصوفية، ولكن في المطففين الذين يخسرون الوزن اذا كالوا الفعل الإنساني فاسترخصوه ووصموه بالجريمة، بينما يغالون في
في وصف القسوة بالفضيلة ويتركون حبل النجاة مشروطا بالاصطفاف!!










إرسال تعليق